مقالات

التغيير الديمقراطي في إرتريا والعنصر المفقود ( 1-2 ) :عبدالرازق كرار عثمان

21-May-2016

عدوليس

تنطلق فرضية هذه المقالة من أن التغيير في إرتريا قادم لا محالة ولكن التغيير الذي طال انتظاره ليس بالضرورة أن يؤدي الى مشروع ديمقراطي في ظل المعطيات الموجودة على الساحة ، واضعين في الاعتبار ان هنالك نماذج كثيرة حدث إن اكتملت فيها حلقات التغيير ولكن المُخرج لم يكن بالضرورة مشروعاً ديمقراطيا كما أملت قوى التغيير ، ولا نحتاج الى نبش اضابير التاريخ لإثبات ذلك ولكن التفاتة سريعة إلى مخرجات ما عرف بالربيع العربي مثالا لا يزال طازجاً للتدليل على ذلك ،

فالأحداث في مصر واليمن وسوريا وليبيا لا يمكن أن تمت بأى صلة للمشروع الديمقراطي التي تنادت له القوى الأساسية لمشروع التغيير مع إستثناء وحيد بنجاح نسبي حتى الآن في تونس حيث اختلف مسار الاحداث عن نظيراتها من دول الربيع العربي ، بل يمكن الغوص لأعمق من ذلك للتدليل على عدم الارتباط اللازم بين التغيير والمسار الديمقراطي بالاشارة الى الحالة الارترية ذاتها حيث التحرير في 1991م ومن ثم الاستقلال في عام 1993م ، وكان المأمول هو دولة ديمقراطية مستقلة ذات سيادة ، والحال ليس استثناء في حالة أحدث دولة أفريقية وهي جنوب السودان حيث المفارقة الواسعة بين الطموحات الأولي وبين الحال الماثل .
حتمية التغيير:
إن الفرضية الاساسية للمقال القائلة بحتمية التغيير ، ليست إجتراراً لما درجنا عليه في أدبيات المعارضة خلال العقد والنصف الماضي والذي يؤكد مراراً ان النظام على وشك الانهيار أو على حافة الهاوية بسبب الوضع الاقتصادي المتردي والعزلة الخارجية . ذلك أن الحقائق على الأرض تقول بغير ذلك ، وأن النظام في إرتريا في الوقت الحالي يعيش في وضع مريح نسبياً بالعودة الى السنوات السابقة على الأقل فيما يتعلق بعلاقاته الخارجية ووضعه المالي ، فالنظام استطاع ان يصطف على جانب ما يعرف بحلف (عاصفة الحزم) بقيادة المملكة العربية السعودية ودعم واضح من الامارات التي تعتبر الوسيط الاساسي الذي استطاع اقناع إرتريا بالانضمام الى التحالف بعد أن فشلت السعودية في ذلك خلال زيارة الرئيس الارتري للسعودية في نهاية ابريل من العام الماضي ، وهو ما يعزز المؤشرات بأن الامارات العربية قد قامت بإستئجار ميناء عصب لمدة ربما تصل الى ثلاثين عاماً ، والتقارير التي تشير الى بناءها أول قاعدة عسكرية خارج أرضها ، إن المحير في الأمر أن إرتريا لم تكن دولة محايدة في الصراع بين المحورين السني بقيادة السعودية والشيعي بقيادة إيران خاصة فيما يتعلق بإمتداد هذا الصراع في اليمن المجاور لإرتريا ، فقد تواترت تقارير كثيرة عن الوجود الايراني ، ومعسكرات التدريب التي اقامتها للحوثيين في إرتريا ، إضافة الى زيارات قيادات حُوثية أو من أنصار الرئيس السابق علي عبدالله صالح لإرتريا مما شكل قاعدة خلفية لهذا المحور ، إن الانتقال من محور الى محور عادة ما يتبعه خسارة حتى لو كانت نسبية ولكن يبدو أن النظام قرأ المشهد بعناية جعلت وجوده في المحور الايراني عاملا مساعداً لزيادة ثمن إنتقاله الى المعسكر الآخر وهو ما تشير اليه الكثير من التقارير عن الوضع المالي المريح الذي يعيشه النظام خلال هذه الفترة ، بيد أن الإنتقال من المعسكر الايراني الى المعسكر السعودي لم يكن فقط للمكاسب المادية المباشرة التي تحققت على أهميتها ولكن المكسب الكبير لهذا الانتقال هو القلق الكبير الذي سببه باصطفافه ضمن هذا المحور للجارة العدو إثيوبيا ، فلم تتردد إثيوبيا في التعبير عن قلقها لإصطفاف إرتريا ضمن هذا المحور وما ترتب عليه من وجود تجاري وعسكري إماراتي سعودي في الإراضي الإرترية عامة وحول ميناء عصب على وجه الخصوص، وهو أمر لا تستطيع معه أثيوبيا غير التعبير عن القلق فليست لديها أوراق ضغط كبيرة على دول المحور بما يتجاوز سد النهضة والمرونة أو عدمها في التفاوض مع مصر ، خاصة وإن التقارب القطري الإثيوبي الذي توج بزيارة رئيس الوزارء ووزير الخاريجة السابق لإثيوبيا لم يعد يشكل قلقاً كبيراً للإمارات والسعودية فيما يتعلق بالملف اليمني حيث توجد رؤية متقاربة بين دول الخليج فيما يتعلق بهذا الملف.
إن تحسن الوضع المالي للنظام نتيجة خياراته الأخيرة في نسق التحالفات الاقليمية مضافاً اليها عائدات التعدين خاصة الذهب ، إنعكس إيجاباً على ثقة النظام بنفسه على الاقل في ملفين أساسين وهما ملف تغيير العملة والاجراءات الصارمة التي رافقته ، وملف التعاطي مع الاتحاد الاروبي ودوله . إن قرار تغيير العملة والاجراءات المصاحبة له قراراً جريئاً بكل المقاييس الاقتصادية والسياسية والأمنية ، ومثل هذه الخطوة الجريئة لا يمكن أن يقوم بها نظام مرتعش لما يترتب عليها من المساس بمصالح مراكز قوى كثيرة ، هذا بالاضافة الى الاثار المباشرة على الجماهير في الداخل ، وقد استطاع النظام من خلال الوعود المتكررة بزيادة الرواتب خاصة لأفراد قوات الدفاع الارترية والخدمة المدنية من امتصاص جزء من ردود الفعل المتوقعه في هذا الصدد على المدى المنظور. الملف الآخر هو تعاطى النظام مع الاتحاد الإروبي الذي لا يزال يبحث بشكل يائس عن إجراءات تخفف موجات الهجرة الى شواطئه ، خاصة في ظل وجود البيانات التي تشير الى إن ارتريا في قائمة الدول المتقدمة في عدد اللاجئين الذين طرقوا ولا يزالون يطرقون الابواب الاروبية من كافة الاتجاهات ، في هذا الصدد اتّبع النظام استراتيجية مكّنته من تحويل الملف لصالحه بدلا أن يكون خصماً عليه ، تمثلت تلك الاستراتيجية في ترك الباب موارباً لمن غادر البلاد تمكنه من التواصل مع سفارات وقنصليات النظام وتعبئة نموذج الاعتذار. إن تعبئة هذا النموذج يتجاوز مداه الأثر القانوني المترتب عليه ، الى الأثر النفسي المتمثل في إحياء الأمل بالعودة الى الداخل أو إقامة ورعاية مصالح داخل الوطن. إن العودة الفعلية او المُتخيلة هي حلم كل مهاجر وقد استطاع النظام العزف على هذا الوتر بعناية فائقة . إن توقيع النموذج يربط الشاب الموقع نفسيا بخيط من الأمل بالوطن بغض النظر عن استمرار النظام أو زواله ، وهو ما يجعل الموقع يدور في فلك النظام أو على الأقل محايداً في مواجهته . إن خيار مناصرة النظام أو الحياد يترتب عليه الحصول على وثائق تمكن الموقع من زيارة الوطن او إجراء التحويلات المالية واستخراج التوكيلات وكافة الاجراءات القنصلية ، وهكذا تجد حجم التحويلات المالية ، أو الرغبة في زيارة إرتريا ، أو اصدار توكيلات وتوثيقها من المعاملات المنشرة بين اوساط المهاجرين الارتريين الجدد ، وإذا اضفنا الى ذلك النشاط البارز لمنظمات شبيبة النظام فإن المحصلة النهائية تبدو وكأنه لا يوجد خصام بين هؤلاء الشباب والنظام في الداخل بقدر ما هو محاولة لتحسين سبل المعيشة . إن نتائج استراتيجية النظام في هذا الملف ترتب عليه بيانات هائلة لدى الاتحاد الاروبي ودوله كانت خلاصتها أن النظام برغم دكتاتوريته وتجاوزاته في مجال حقوق الانسان إلا أن ما يدفع الشباب الى الهروب ليس الخوف من الاعتقال ، أو الرغبة في التغيير السياسي او كراهية النظام بقدر ما هي حالة الانغلاق الإقتصادي وإنعدام الأمل في المستقبل ، وبالتالي فإن الاتحاد الأروبي ودوله يرون صوابية سياستهم القائمة على التعاطي الايجابي مع النظام والضغط عليه لتقديم تنازلات ليس في المجال السياسي أو حقوق الانسان بقدر تعلقها بتحديد مدة الخدمة الإلزامية حتى يستطيع الشباب العمل بعد إنتهاء مدة الخدمة ، على ان يقدم الاتحاد الاروبي دعماً مالياً لتحسين الوضع الاقتصادي مما يتيح فرص عمل أكبر للشباب وبالتالي يقلل من فرص الهجرة كمحصلة نهائية لتكامل هذه المعطيات.
إن تحسن الوضع المالي للنظام ، إضافة الى إمتلاكه لأوراق الضغط الكافية على الاتحاد الاروبي ودوله فيما يتعلق بمحاولات إروبا البائسة واليائسة للحد من الهجرة ، مكُن النظام من أن يحرم الاتحاد الأروبي حتى من هذا الشرف رافضاً كافة شروط الدعم تاركاً مساحة ضيقة للإتحاد الاروبي الذي فضل أن يحافظ على سياسية التعاطي الايجابي مع النظام وتقديم الدفعة الأولي من المساعدات الأروبية من غير وعد حاسم بتحديد مدة الخدمة الإلزامية التي يعتبرها الاتحاد الأروبي السبب الرئيسي لهجرة الشباب الارتري.
مرتكزات فرضية حتمية التغيير
إن فرضية حتمية التغيير هنا تسند بدرجة أساسية إلى عوامل داخلية تتعلق بامكانية استمرار النظام في ظل العجز الواضح في إدارة مرافق الدولة والعبئ الكبير الواقع على دائرة ضيقة جداً حول الرئيس ، وحتى هذه الدائرة هى دائرة تنفيذية وليس مفوضة بقضايا تخطيطة فهى دائرة مساعدة للرئيس تقوم بما يوكل إليها. إن تحمل عبئ إدارة دولة بكافة ملفاتها ومرافقها لأمر غاية في العسر مهما كان محدودية الدولة المعنية ومواردها، وضع يقتضي أن يتابع الرئيس التفاصيل بكل دقة ، أو تجاهلها وفي الحالتين فإن الدولة لا يمكن أن تسير بشكل سلس وعقلاني كما يفترض ان يكون في جهاز الدولة ، إن متابعة التفاصيل تعمي متخذ القرار عن الصورة الكلية هذا غير الضغط النفسي المستمر ، ومما يقال عن الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر ان الذي سبب موته هو الغرق في التفاصيل حيث ظلّ يعكف لساعات طويلة على قراءة ومتابعة ملفات تفصيلية كان يمكن أن يكفيه تفويض الصلاحيات الى من يقوم بذلك ، وهكذا تجد حال القيادة الإرترية ممثلة في الرئيس غارقة في التفاصيل مما يُغَيب الصورة الكلية ، وكعادة التفاصيل فإن بعضعها ينسي البعض وهو ما يتجسد في اللقاءات الإعلامية التي يجريها الرئيس أسياس أفورقي حيث تجده في حالة توهان بعيد عن الواقع. العامل الأخر الذي يؤكد حتمية التغيير هو حالة النزيف المستمر للقطاعات الحية في المجتمع الإرتري (قطاع الشباب) ولم يُستثنى من ذلك أبناء شخصيات عامة أو تجار او مسئولين على رأس أجهزه مهمة في الدولة ، وليس بالضرورة لأنهم يختلفون مع النظام سياسياً ، او هم من الحالمين بالتغيير الديمقراطي ، ولكن لسبب جوهري وهو انعدام اى شعاع أمل في الغد ، وما أصعب أن يعيش الانسان من غير أن يحلم بغد قريب يحقق فيه الشاب أحلامه بغض النظر عن موضوعية الأحلام من عدمها فهي أحلام في النهاية ولا تقاس بمعايير القياس المعهودة.
فرضية حتمية التغيير تستند الى أن إنعدام الأمل الذي يدفع قطاعات واسعة من المُقتدرين مالياً وبدنيا من المغامرة بعبور الحدود عبر المنافذ المختلفة براً ، بحراً وجواً ، هى ذاتها التي سوف تدفع قطاعات أخرى لا تملك ترف المغامرة بعبور الحدود نتيجةً إرتباطاتها الاقتصادية أو الاجتماعية الى التفكير في مغامرة أخرى وهى التفكير إحداث التغيير ، وكل الدلائل في الداخل تشير الى أن التفكير في إحداث التغيير تجاوز مرحلة التمنى الى مرحلة التعبير عن السخط والضجر واللامبالاة بالعواقب ، والمؤشرات على ذلك كثيرة منها حالة الانتقاد العلني للنظام في الداخل في المجالس الشعبية وبعض وسائل الاعلام ، كما ان حالة الاستخدام الغير محدود لوسائل التواصل الاجتماعي لمن هم في الداخل دون الخشية التي كانت سائدة في السابق وهو ما كسر جدار العزلة الغير مجيدة التي كانت تعيشها إرتريا الى وقت قريب مما مكن من نقل كثير من الوقائع وتفاصيلها حال حدوثها ، وليس أدل على ذلك من الفيديوهات المنشورة للحياة داخل سجن عدى ابيتو ، وأخيراً الفيديوهات لأحداث اسمرا الاخيرة في الثالث من ابريل المنصرم . إن العاملين في قطاعات الخدمة المدنية ، والرتب الوسطى من الضباط والطبقات الوسطى من التجار مضافاً اليها المرأة والطلاب والعمال من الذين تضرروا بشكل مباشر من النظام وسياساته لديهم مصلحة كبيرة في تغيير النظام وبالتأكيد فإن رغبتهم في تغيير النظام بدأت تنتقل من حالة السلبية والأماني الى التعبير وفي طريقها إلى الانتقال الى مراحل متقدمة وطال الزمان أو قصر سوف تنتج فعلا منظماً يؤدى الى التغيير.
إن محصلة تكامل العاملين وهما العجز الواضح في إدراة الدولة لطبيعة الرئيس اسياس افورقي الذي قلما يثق فيمن حوله وبالتالي يمتنع عن تفويض صلاحياته ، والنزيف المستمر لكوادر الدولة وشبابها ، مضافاً الى ذلك وجود قطاعات لا تملك ترف الهجرة وبالتالي لا يوجد لديها غير خيار المغامرة بخوض غمار التغيير سوف يؤدي لا محالة الى إحداث التغيير.
توقيت وطبيعة التغيير:
إن الجزم بحتمية التغيير لا يعني بالضرورة إن التغيير سيتم في الإطار الزمني المتخيل لدعاة أو هواه التغيير ، حيث يتمنونه اليوم قبل الغد بناء على أدبيات ظلت لفترة طويلة تروج لفرضية النظام على وشك السقوط ، كما أنه لا يوجد بالضرورة تلازم بين التغيير والخيار الديمقراطي كما سبق وتم توضيحه في المقدمة . إن حدوث التغيير ضمن التطور الطبيعي لتفاعل المعطيات في الداخل هو أمر حتمي ولكنه قد يكون بطيئ الحدوث ، وفي هذا لا يختلف كثراً عن التفاعلات الكيميائية التي تحتاج الى مُحفّز (Catalyst) حتى تكتمل العملية ، وعادة يلعب المحفز دوراً جوهرياً في تحديد توقيت ومُخرج التفاعل الكيميائي ، وبالتالي فإن إيجاد المحفز هو ما تحتاجه عملية التغيير في إرتريا ، وذلك لسببين رئيسين وهما تسريع وتيرة التغيير ، وضمان طبيعة المُخرج ، وبالتأكيد المطلوب هنا تغيير يؤدي الى دولة ديمقراطية مستقرة.
إن وضع ارتريا الشعب والدولة اليوم لا يحتمل رفاهية الانتظار حتى تكتمل دورة التغيير ضمن مسارها الطبيعي ، وبالتالي فإن إيجاد المُحفّز لتسريع عملية التغيير تصبح ضرورة لايستغنى عنها إلا من هو غير مدرك لعواقب الأمور ، كما أن عواقب أى تغيير يؤدى الى تكرار التجربة الشمولية بكل أبعادها الطائفية والفساد المتمثلة في تجربة الحكم الحالية أمر لا يقل فداحة عن استمرار النظام الحالي ، وبالتالي تحديد المحُفّزات التي يمكن أن تساهم في تسريع عملية التغيير وفي نفس الوقت تضمن الانتقال الى نظام ديمقراطي أمر في غاية الأهمية . بما أن التدخل الخارجي كما حدث في افغانستان 2001م و العراق 2003م ، او ليبيا 2012م أمر لا يتوقع حدوثه وأيضاً لا تحمد عقباه في حال حدوثه ، وعليه المقال يفترض أن أفضل مُحفز لإكتمال عملية التغيير في الداخل بشكل سريع ، وضمان احلال نظام ديمقراطي هي قوى التغيير في الخارج . ولكن للعب دول المُحفز فإن المطلوب هو الوعي الكامل بطبيعة الدور ، وترجمة تلك الطبيعة الى برنامج عمل قابل للقياس من خلال مناهج تقييمية تساعد على معرفة التقدم وطبيعته ، أو التراجع في حال حدوثه والاسباب التي أدت له . وهنا سوف اركز على المتطلبات الأساسية التي تحتاجهما قوى التغيير في الداخل لأخذ زمام المبادرة ومن ثم السعى المنظم لإحداث التغيير.
إن المعيقات التي تواجه القوى المحتملة للعب دور أساسي في عملية التغيير بالداخل تتمثل في حالة الخوف الناتجة عن القبضة الأمنية ، وهو ما نتج عنه أزمة ثقة بين مكونات وأفراد المجتمع لدرجة أصبح معه من شبه المستحيل تأسيس عملا منظماً ، والعمل المنظم بالتأكيد هو من شروط نجاح أي عملية تغيير ، إن غياب العمل المنظم ليس بالضرورة هو نتاج قدرة النظام في مراقبة الجميع ، ولكن هو محصلة الصورة المتخيلة للنظام لدى الداخل وبعض الخارج والتي تصور النظام ذو مقدرات أمنية خارقة ويداً طولى يمكن أن تطول أى معارض اينما وقتما يشاء ، إن كسر حاجز الخوف والرهبة ، واستعادة الثقة في النفس والمجتمع عملية تحتاج الى عمل إعلامي منظم ، وفق رسالة إعلامية مدروسة تتضمن معلومات دقيقة ، وتحليلات صادقة ، وهو ما يساعد على إستعادة الثقة في النفس والمجتمع ، كما أن بثّ قيم التضحية في سبيل إستعادة الحياة الكريمه تعتبر عملية غاية في الأهمية في هذه المرحلة، أيضاً يجب ان تتضمن الرسالة الإعلامية نقل الاخبار الايجابية في الاماكن الأخرى ، لأن الشعوب تقلد بعضها البعض حتى من خارج الحدود دع عنك داخل الوطن ، ومعلوم أن شرارة الربيع العربي بدأت في مدينة بوزيد بجنوب تونس ، وسرعان ما انتقلت الشرارة الى المدن التونسية الأخرى محمولة على وسائل الاعلام ، ووسائل التواصل الاجتماعي ومن تونس وانتشرت في معظم الدول العربية كما هو معروف. المحور الآخر هو صورة النظام لدى الإرتريين في الخارج ، حيث يتعرض المواطنون في الداخل الى إعلام موجه يعرض صور التعاطف والتضامن مع النظام عبر إذرع شبابه ومهرجاناته ، وفي ظل وجود مثل هذه الصورة المبثوثة باستمرار فإن التصدى لمغامرة التغيير في الداخل تعتبر غاية في الصعوبة ، ويكون البديل الأسهل بدلا عن السعى لتغيير النظام محاولة الخلاص الفردي عبر عبور الحدود.
ولا تكتمل الصورة من غير الاشارة الى أهم العوامل التي تقف كحاجر نفسي أمام القوى المحتملة للتغيير من خوض غمار المغامرة ، إلا وهو الخوف من المستقبل المجهول ، وعدم وجود ضمانات كفيلة بحفظ استقرار الدولة وسلامة المجتمع ، خاصة في ظل النماذج الماثلة في كل من الصومال ، واليمن وليبيا وسوريا وهى نماذج تدفع هذه القوى للتفكير الف مرة قبل خوض اى مغامرة ، ويعزز هذا الخوف الإعلام الموجه للنظام والذي يركز على المخاوف المحدقة بإرتريا ووجودها خاصة المخاوف الخارجية ، وتصوير قوى التغيير في الخارج بإعتبارها أدوات للقوى الخارجية التي تتربث بإرتريا وشعبها.
من كل ما سبق تفصيله يتضح أن التغيير في إرتريا قادم لامحالة من خلال أدوات التغيير المعهودة ، بيد أن عمليه التغيير رغم حتميتها لكنها تحتاج الى مُحفز يساهم ليس في أكمال العملية وحسب ، بل يساعد في حسم توقيتها وطبيعة المُخرج لعملية التغيير بإتجاه تغيير ديمقراطي يساهم في تحقيق أهداف قوى التغيير ، ويحافظ على سلامة الوطن والمواطن ، ويضمن سلاماً استقراراً وتقدماً وهو ما لا يمكن أن يتوفر بغير نظام ديمقراطي يحفظ حقوق الكُل . ومن جملة محفزات محتملة لعملية التغيير فإن المقال يعتبر قوى التغيير في الخارج أنسب المحفزات التي يمكن أن تساهم في إنجاز المهمة المرجّوة ، وسوف أخصص الجزء الثاني من المقال لتقييم قوى التغيير قياساً على المحددات المؤهلة لهذه القوى للعب دور المُحفز في عملية التغيير المنتظرة.
للتواصل مع الكاتب :razig2002@yahoo.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى