حوارات

العودة لمدينة أغوردات .. وتنفيذ تكليف الثورة والحلقة (4) من ذكريات حُمد كلو

8-Oct-2016

عدوليس ـ لندن / ملبورن ( خاص )

في هذه الحلقة يواصل المناضل المخضرم حُمد محمد سعيد كلو شتات الذاكرة نافضا عنها الغبار. يعود الصبي الذي خرج من المدينة للعلم والعمل يعود إليها رجلا يحمل تكليفا ثقيلا ، مهمة نضالية قد تكلفه حياته.في هذه الحلقة يرسم لنا صورة جزء من صورة عاملة لحياة المدينة ، التي عرفها هادئة وادعه ليجدها مضطربة وثقيلة الهواء. كما اسلفت أترك المساحة للمناضل الكبير يسود فيها ما حفظته الذاكرة دون تسلسل أحيانا ودون تدخل مني نتابع معا. وانا اكتب الحلقة الرابعة ألحت علي الذاكرة لأتطرق لمفهوم أداء القسم عن الإنتساب لحركة تحرير إريتريا وبعدها جبهة التحرير الإريترية لما لذلك من أهمية.

والخطوة الأولى لإكتساب العضوية هي أداء القسم والإطلاع على اللائحة. هذه الخطوة لها تأثير كبير على مجمل سلوكك العام للفرد لاحقا كما أنها توثق لعلاقة المرء بالوطن .
خاصة الفقرة التي تقول ( عدم ممارسة القبلية والاقليمية) ثم تطور هذا التعبير لاحقا فسمي بـ (الجهوية واخيرا بالطائفية) . هذه الفقرة وغيرها من النصوص في اللائحة الداخلية لحركة تحرير اريتريا وجبهة التحرير الاريترية، ربما لا يعدم من يقول في هذا الزمن الرديء الذي نعيشه ان هذه القضايا لم يعمل بها، وانا اقول ان معظم الكادر في جبهة التحرير الاريترية لم يخرج عما أقر به في هذه اللائحة، صحيح ان هناك ظواهر ظهرت في الساحة لكن للتاريخ معظم الكوادر كان ايمانهم قويا وراسخا بالثورة، ولهذا الإيمان الرا سخ قدم لهذا الوطن عملا نضاليا يصعب وصفه أو الإحاطة به هنا ، وتاريخ شهداءنا وجرحانا شاهد على ذلك .
أكتوبر المجيد وهو يطوي ايامه الاخيرة من عام 1964م وصلت إلى مدينة كسلا قادما من الخرطوم ، وبعد يوم أو يومين تقريبا دُعيت للقاء بالمغفور له عثمان صالح سبى، كان الموعد مضروبا في المساء في مقهى أو قهوة (النجيلة) كما ننطقها دارجة ،في قلب سوق كسلا ، وفي مكان قصى من المقهى الذي هو الأقرب للحديقة منه للمقاهي العادية.
فوجئت بحضور هذا اللقاء مجموعة من الشباب تعرفت على واحد منهم فقط وبعد برهة من الزمن جاءنا عثمان صالح سبى عضو المجلس الأعلى و بادر وعرفنا ببعضنا البعض.
في الوهلة الأولي اعتقدت ان الدعوة ربما تكون تمهيدا لإرسالي إلى الخارج في دورة عسكرية، لكن عثمان صالح سبى أفتتح حديثه بالشرح العام لأوضاع الثورة خاصة، والاستعدادت التي تجري لاقامة المناطق الاربعة ، وصحيح ان المنطقتين الأولى والثانية قد أكملتا إلا المنطقتين الثالثة والرابعة فكانتا في طور الاعداد بسد حاجاتهما ،ولم يتطرق في حديثة للأحوال داخل المدن الاريترية لكنه اخبرنا ان الاختيار وقع علينا للتوجه الى الداخل والمساهمة في بناء الخلايا اي عمليات تنظيم الجماهير وقال بالتحديد :
“لتساعدوا في تنظيم الفروع” ، لكنه كان يدرك دقت الاوضاع في المدن الاريترية ام لا لا ادري. وفي اليوم التالي وهو يودعني قال لي : “انت يا حُمد كلو كنت في تنظيم حركة تحرير اريتريا في الخرطوم وتعرف كيف تساهم في بناء الخلايا في الداخل الاريتري” وحدثني عن مهام اخرى، وعلى ضو اللقاء الجماعي الذي عقد مع عثمان سبى تم توزيع الكوادرعلى المدن كالتالي:
1-ام حجر 2-بارنتو 3- اغردات 4- كرن 5- اسمرا ومصوع.
بعد هذا التوزيع كل ذهب كل منا الى مقر عمله.
اللقاء أو الإجتماع بتعبير دقيق مع عثمان صالح سبى قصد منه ان يكون في مكان عام لايلفت الإنتباه ، كما ان الثورة آنذاك لا تملك مقرات لا سرية ولا علنية ، كما ان القيادة الثورية وهي الجهاز الذي ربط الداخل بالخارج أو بتعبير آخر الميدان بالمجلس الأعلى ـ القيادة التنفيذيةـ آنذاك لم تكن قد شكلت بعد، وكان العمل يتم عبر بعض الكادر المتفرغ.
وبالرغم من وجود قنصلية إثيوبية في كسلا إلا ان اجهزتها كانت ضعيفة ورقابتها تكاد تكون معدومة، لكن لقاءنا حسب ملاحظتي كان مؤمنا باجهزة أمن الثورة. بعد اللقاء الذي جرى بيومين اوثلاثة في كسلا اتجهت الى ارض الوطن الى المحبوبة (اغردات). هذه المدينة الريفية البسيطة المتميزة بـ (عششها وقطاطيها) ولوجود داري واهلي وجيراني والحي الذي ولدت فيه وترعرعت فيها ، وحبي للمدينة كلها لبساطة اهلها . لكل الاصدقاء الذين ربطتني بهم هذه المدينة محبتي علاقة خاصة أترحم على كل من غادر دنيانا الفانية وباعثا محبتي وشوقي لمن لازال يكابد في لجة هذه الحياة .
ما أجمل وأرق الصباحات في اغردات خاصة وأنت نائما نوما عميقا في سريرك تتقلب ذات اليمين أو اليسار هانئا ومع النسمات الصباحية الرطبة الأولى التي تلامس جسدك ياتيك صياح الديكة مبشرا بميلاد يوم جديد، وانت تسحب ثوبك على جسدك من تلك النسمة التي احدثت برودة على جسدك.
صياح الديكة فيبين الأحياء يشبه المناجاة وميلاد يوم جديد ، ما كان يبهرني ان هذا الصياح يأتي متناغما وآحد إثر آخر لايختلط ولا يتقاطع بل بشكل هارمني رائع ليعطي للصباح مذاق خاص، يترافق ذلك يترافق آذان الفجر والذي يستهل بما يسمى بالتراحيم أو الدعاء الذي يسبق الآذان ( يارحمان يا رحيم ارحمنا يا الله).
وتتوالى بقية الادعية ثم الآذان من الجامع الكبير وبصوت شجي يبعث الطمئنينة ، وتسري حمحمة الآباء وهم حاملين الاباريق كل في داره للوضوء استعدادا للصلاة ، يصاحب ذلك من قبل الأمهات ضربات ( المدق) لتجهيزا للقهوة والافطار بعد الصلاة، وإذا صادف هذا الصباح صباح الأحد فانك تسمع ضربات الطبول وقراءة الانجيل داخل الكنيسة الاورثدوكسية وتسمع بالمقابل ايضا أجراس الكنيسة الكاثوليكية.
لا تبارح ذاكرتي ليالي المولد النبوي الشريف في أغوردات ،الإحتفالا التقليدي السنوي في دار الميرغني، ويقام بعد صلاة العشاء حيث يتلو فيه الخلفاء المدئح والاناشيد ، أتذكر منهم رحمهم الله جميعا الخلفاء، الخليفة أدالة، والخليفة محمد على سمرا، والخليفة محمد الحسن الانصاري، والخليفة الأمين الحسن، والخليفة هبتيس محمد ، الخليفة محمد الحسن كيلاى والخليفة محمد جمع، وخلفاء آخرون لم نسمعهم ينشدون.
كان أجمل الأصوت أداء في الانشاد هو صوت الخليفة الأمين الحسن خاصة وهو ينشد ابيات من شعر عبدالرحيم البرعي والبرعي ليس هو البرعي السوداني بل هو اليمني. ( ياراحلين الى منى بغيابي هيجتموا يوم الرحيل فؤادي
الشوق اضناني وهيج مهجتي ياساكنين المنحنى والوادي).
وفي اليوم الأخير لمولد النبي يبدأ عصرا حيث تبدأ المسيرة من دار الميرغني وهم يقرعون الطبول ويضربون الدفوف في كرنفال رائع ، مسيرة تشق سوق اغردات إلى قسمين لتتجهة من السوق عبر الشارع الرئيسي الى سوق المواشي ثم تتجه غربا الى محطة السكك الحديد ، ومنها تنعطف شمالا لتعود من حيث بدأت. في المساء يقدم شاى بالحليب أولا ثم الانشاد ومع نهايته يقدم العشاء وهي وجبة ارز باللحم، وكان من يتولى طباخة هذا العشاء اعمامنا الخليفة محمد على سمرا والعم حمد بردلب.
حتي عام 1966م وقبل قيام الطوارئ المشؤمة كان يقام كل ليلة المولد في دار الميرغني ويحضره نفس الخلفاء المذكورين اعلاه، وكانت هناك ايضا الطريقة القادرية وكان يحيها امام دار الميرغني بضرب الطبول مع الانشاد وكان يحيها مشايخ الطريقة ود المصري وتمبش.
كانت هناك تقاليد دينية سمحة ففي أيام الجمعة يأتي الخلفاء الى الجامع الكبير حاملين البيارق من دار الميرغني وهو تقليد قديم، وظني ان هذه البيارق لم يحدث فيها تغييرحتى الآن ومن بعد الصلاة يعيدونها الى الدار، وبالرغم من الظهور الحديث لجماعات تعتبر هذه المظاهر بدعة لكنهم لم يستطيعوا ايقافها لانها متبعة منذ القدم ، وهما تقليدان الاول هو ان يوم الجمعة وبعد الآذان الاول وقبل ان يصعد الامام على المنبر هناك مدح او اناشيد يسمونها (البراق) لابد من انشادها ثم بعدذلك يصعد الأمام للمنبر ليلقي خطبة الجمعة. والانشاد الذي يسمونه البراق هو:
( اللهم صلي وسلم على المصطفي وال والصحب دائما
صلاة تفوح المسك عطرا مفخما
تطيب لها كل النفوس وتتلالأ).
ويدردد الحضور مع المنشد ( اللهم صلى وسلم).
والتقليد الثاني في شهر رمضان وعند اداء كل فريضة من الفرئض الخمس يقوم الأمام ويدعو: ( اشهد ان لا إلاه إلا الله استغفر الله نسألك الجنة ونعوذ بك من النار). ويردد معه الحضور ثلاثة مرات، ويدعو ايضا ( اللهم انك عفو كريم تحب العفو فاعفو عنا ياكريم) ويردد ايضا ثلاثة مرات.
والحقيقة التي يمكن ان اقولها ان البلدان العربية التي عشت فيها والتي زرتها لم اسمع هذا الدعاء الرمضاني.
عدت الى مدينة اغردات بعد غياب اربعة اعوام المدينة كانت عامرة باهلها لكن رؤى الناس وحكاياتهم قد تغييرت فقد دخلت احاديث عن الإعتقال والسجون والتعذيب والتي كانت تستمر لستة اشهر تحت الفقرة العاشرة من القانون الجنائي أو ما يسمى بـ ( ارتيكلو دييشي)، مما ولد شعورا بالمرارة ونوع من التحدي وإصرار على دعم الثورة وإيمان بانها لن تنهزم . كانت المدينة قد مرت بعدة احداث ، فكل ما يحدث تقدم في العمل النضالى ينعكس بشكل مضطرد ضغوطا على هذه المدينة والمدن الاريترية الأخرى، فقد انتشرت وتوسعت حركة تحرير اريتريا في كل أنحاء إريتريا و كان هذا التوسع يتلازم مع إنكشاف بعض افراد الخلايا لدى الأمن الاثيوبي وأثناء عمليات التعذيب ينهار البعض وفي لحظة ضعف إنساني يعترف فيزداد عدد المعتقلين، وفي الفترة الاولى لجبهة التحرير الاريترية ايضا زادت الاعتقال وتعدد أنواع التعذيب، ولا اعني في مدينة اغردات لوحدها بل مدن اريترية عديدة وفي هذا المناخ ظهر ابطال صناديد كانوا متحملين قيادة الخلايا ولم يعترفوا اثناء التحقيق واكتسبوا مكانة احترام وتقدير وثقة لدى الجماهير ، انا اتحدث ما لمسته في مدينة اغردات وما سمعته عن باقي المدن الاريترية .
وهذا ما لمسته من مشاهداتي لمدينة اغردات من الناحية السياسية وأنا القادم الجديد ، كما لمست انعكاسات العمل العسكري في الريف على المدينة وحتى العمليات الفدائية داخل المدن. كانت المدينة والمدن الاخرى تواجه ضغطا كبيرا من قبل أجهزة أمن المستعمرين ، انا هنا اتحدث عن عام 1964م وما قبلها منذ إعلان الكفاح المسلح، فقد شهدت المدينة عدد من العمليات الفدائية مما ينعكس إيجابا على الروح المعنوية للسكان بالرغم من كل هذه الضغوطات التي كانت ترزح تحتها . وقد حدثوني عن العملية الفدائية التي حدثت في عام 1962م في مقر محافظة اغردات وكان المستهدف الرئيسي منها القائد ( ابى أببى) حاكم عام اريتريا ، وقد توفى في هذا العملية الوزير عمر حسنو والسيد ابراهيم باشاي والشيخ صالح واخرين، ثم بعد فترة قليلة العملية الفدائية التي نفذها المغفور له حامد ابراهيم طمبار وادم تركاي ومحمد احمد عوض نفذت هذه العملية على ضابط الامن في مقهى ( محمود اسفداى)، وكانت المدينة. كما كانت المدينة تنسج الحكايات وباعتزاز كبير عن معركة تقوربا والتي حدثت في 15/3/1964م .
وقبل ان اخوض في تفاصيل هذا الحلقة والحلقة القادمة يمكنني القول انه ومنذ انطلاقة الثورة في الفاتح من سبتمبر 1961م وحتى وصول المنطقة الثالثة والرابعة لمرحلة الإستكمال ان هذه الفترة حدث فيها قتال شرس وعمليات كر وفر وقد كانت مرهقة لصعوبة إيجاد وقت للراحة بالنسبة للمقاتلين خاصة في النهارات الغائظة نتيجة للمطاردات المستمرة ، من الشرطة بجانب أعداد من كبيرة من المليشيات التي دربتها وسلحتها الحكومة الإستعمارية الإثيوبية ، كان على المناضلين ان يكونوا في حالة حراك دائم وإذا فرضت عليهم معركة ما مع العدو عليهمان يدخلوها وهم يتحسبون لكمية الذخائر التي يحملونها ، ومدركين لأي إستدراج لمعركة طويلة امام تلك الجحافل. المعارك الفاصلة كانيُعد لها اعدادا كاملا، وقد تدرب المقاتلون على الكر والفر ، والإغارة ، الكمائن ، والهجوم الخاطف ليلا او نهارا، وزرع الالغام ، وكانت اثيوبيا تسعى جاهدة لإجهاض الثورة في مهدها ولهذا كانت تتبع سياسة مطاردة المناضلين وانهاكهم. فقد شهدت مناطق القاش ومرتفعات بركا ومنخفضاته معارك فاصلة من ضمنها المعركة التي قتل فيها شمبل يسن والتي تعتبر معركة فاصلة، وكذلك المعركة التي خاضها المغفور له المناضل حشال عثمان في ( ادربا) واستشهد فيها المفوض السياسي محمود جنجر تعتبر ايضا من المعرك الفاصلة، ولايمكن ان ننسى والمنطقة الرابعة وهي تتقدم الى مواقعها ما واجهته من صعاب وبالتحديد في معركة (محلاب) وما قدمته من شهداء، كثيرة هي المعارك الفاصلة ، وكثيرة هي المعارك التي خيضت لتثبيت كل منطقة في موقها وبناء قواعد عسكرية .
العدو الاثيوبي وليخفي هزائمه في المعارك ومحاولة أرهاب الجماهير في المدن كان عقب كل معركة ياعود للمدن وهو يهلل كذبا ليوحي للناس انه منتصر وليثبت ذلك كان يأتي حاملا جثامين الشهداء.وهي مربوط في التصادم الامامي لحاملة الجنود، ثم تعلق هذه الجثامين في محاولة مكشوفة لإخافة الناس وإدخال الرعب في نفوسهم ، لكن هذه العمليات الغير إنسانية كانت تدفع بأعداد من المنخرطين في صفوف الثورة. سواء بالإنخراط المباشر في صفوف جيش التحرير أو بذل العطاء والدعم المالي والمعنوي للسكان تجاه الثورة .
في هذه المرحلة تم إستكمال بناء المناطق الأثالثة والرابعة وتثبيت القواعد الأساسية بعد تضحيات كبيرة ، وللتاريخ اقول ان تجربة المناطق كانت تجربة رائدة ونجحت خلال عامين من تثبيت وبناء جيش قادر على مقاومة العدو قدر امكاناتها المتاحة واثبتت للعدو ان الثورة لا تجهض ولن تهزم وللتأكيد على رأي هذا يمكنني القول بان تجربة المناطق قد استنفذت اغراضها بعد عامين وكان من المفترض بناء استراتيجية جديدة ليس لجيش التحرير بل التقييم الكامل لتجربة جبهة التحرير الارترية سياسيا وعسكريا واجتماعيا لتجدد الثورة نفسها…… وإلى الحلقة الخامسة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى