شريط الأخبار
الرئيسيةثقافة وأدب ← ارتريا من تحرير التراب الى تحرير ابن التراب! :بقلم / ود سعيداي
2007-11-14 ecms

ارتريا من تحرير التراب الى تحرير ابن التراب! :بقلم / ود سعيداي

‎إلى متى يظل الإنسان الصادق في الخفاء، وتظل الأقزام تعبث نهاراً جهاراً فترفع ماتشاء وتنصب ماتشاء. هذه الكلمات التي تعرب عن نفسها خرجت.. من نفسٍ شريدة سلاحها الأمل من عينِ بريئة أعماها الوحـل من جسدٍ صحيح أسقمه الوهن من صوتٍ فريد جـافـاه الزمـن

وهي للشاعرة الفلسطينية ريتا,, استوقفتني عندما حلّقت بي الذاكرة للوراء إلي سماء أسمرا, فجر استقلال البلاد الذي مرّ عليه أكثر من ستة عشر عاماً من هذا اليوم. هذا الكائن الذي بذلت من أجله كل المخلوقات الارترية الغالي والنفيس، لكي تراه كامل الأعضاء، سليماً من كل داء، ليس منسوخاً أو مشوهاً أو مطعوناً في نسبه. وأخيراً جاء محمولاً على متن جريدة الاستقلال فجر 24/مايو/1991م، مصحوباً بشرعية ولادته وسلامة صحته من المنظومة الدولية. وعمّت الفرحة أرجاء البلاد، حتى الحيوانات التي شاءت حكمة الخالق أن تكون داخل حدود الوطن، فرِحت بهذا المولود ولم تصدِّق أن الطلاق قد وقع فعلاً بينها وبين طقطقة البنادق ( كما يحلو للشاعر محمود درويش ) وبالثلاث. وبينما كان البعض يتغنى بفرحة مايو وينشد : وجاء مايو يحمل الدفء يعيد البهجة فينا تعانقنا .. تضافرنا نسينا .. جرح ماضينا والبعض الآخر قد انتشلته الذاكرة وعرّجت به حيث فضائيات الرعيل الأول الذين تجمعت قلوبهم للنداء، وتخضّبت أيديهم بالدماء، فسطّروا حروف الوطن بماء الذهب، ورسموا بريشة العدل خارطة الوطن. إذ طالعتنا صورة الأب الشرعي في بيانها الأول بتاريخ 20/06/1991 وهي ترتدي ثياباً فرعونية مزركشة، زيّنت خطابه المطلي بلون التفرد حيناً، وحيناً بلون الغضب، وهنا بعض ما جاء في ثناياه: (سوف لن نسمح بعد الآن بأية فوضى تنظيمية وعلى جميع التنظيمات السياسية أن تحل نفسها ويدخل أعضاؤها إلي البلاد كأفراد إن كانوا يرغبون في الإسهام في مهام المرحلة القادمة). وكانت هذه أول ضربة يصفع بها أُس يأسِ ( اسياس ) وجه الشعب الإرتري البطل الذي قهر صناديد العدو الأثيوبي وأعوانه، ودحره إلى اللاعودة لعقلية الغابات مرّة أخرى. وبرغم ذلك غض البعض الطرف عن هذا المشهد الحزين وصار يعلق الآمال على رأس الملك ومشى على الدرب من حيث يعلم أو لا يعلم. ولكن هيهات هيهات أن الليث يبتسم ! كان الجميع في انتظار هذا اليوم، يوم عودة الحق لأصحابه، يوم الحرية، يوم الكرامة، وجاءت أخيراً بإذن ربها. ولم يكن حلم كل من انتسب لهذا الوطن مجافياً للحقيقة, بأن يوم الشروق آتي مهما طال ظلام الأيام، ولا محال سوف يسبح يوماً في بحار بلاده آمناً مطمئناً. يزرع ويحصد، ينهل من منهل العلم، وظن وهو صائب أنه سيعيش حياة الملوك والأمراء. يأكل ما يشاء, ويلبس ما يشاء, يخالط أو يعتزل كما يشاء, يصدِّق أو يكذِّب ما يشاء, ينام أو يستيقظ كما يشاء, ولكن هيهات .. هيهات ..أن الليث يبتسم ! هذا الحلم الجميل تلاشى سريعا وتحول إلى كابوس، واهتزت من جرائه الأرض العواتية ومن عليها، ولم يعد شعبها المخلص يعرف الطريق، فقد الأمل .. خيّم السواد العظيم على كل شيء في حياته، أصابه عمى الألوان، ظلام دامس حبس أنفاسه، يتخبط ذات اليمين وذات اليسار، آملاً أن يجد عصى سيدنا موسى ليزيح بها هذه الثعابين الضالة من حوله .. أو يلتقطه حوت سيدنا يونس ليأمن في بطنه .. ويمتنع عن الصراخ، وينسى طعم ومرارة الانتصار على أقل تقدير . أن الشعب الذي أطاح بجنرالات اكسوم وحلفائها، وجد نفسه مقهوراً مذعوراً، يمشي كأنما يجري، لا حول له ولا قوة.. هزم العدو ولكنه انهزم في نفسه وعاد إلي مسرحية هابيل وقابيل وفصولها المحزنة! "قتل الإنسان لأخيه الإنسان". فقد توالت الضربات من حين لآخر ابتداء من حادثة المعوقين الشهيرة "ماي حَبَار" (جرحى حرب التحرير) ومسيرة الجيش النظامي السلمية عندما طالب جمعهم بتحسين أوضاعهم المعيشية. إذ نادى فرعون قومه, وقال: اهبطوا من سفوح الجبال، وأمطروا هؤلاء الأشرار برصاص قابيل، تلك الصورة القاتمة التي حفرت جرحا ً ما يزال ينزف دماً في نفوس الشرفاء! رجال الأمس رواد المسيرة بضاعة فاسدة تُباع بثمنٍ بخس ومروراً بانتكاسة المؤتمر الثالث بمدينة نقفة - فبراير 1994 عندما رأى سيد القوم أن البوصلة تتجه إلي سبيل الرشاد, وهذا ما لا يريده أن يكون! وكيف يكون وهو صاحب كتاب "نحن وأهدافنا" الذي انحنى بالوطن إلي مهاوي الردى. وما تبع ذلك من مغازلة الشعب المسكين بمسودة الدستور التي سودت وجه الحرية، وأظلمت دروب الوحدة والبناء والتعمير فأمطرت سماءها الأرض العواتية بؤساً وشقاء! ثم الأزمة المفتعلة مع البلد الشقيق "السودان " في العام 1995 وعرض سفارته للمزاد نهاراً جهارا, والتي كانت بداية الإخفاقات السياسية للدولة الوليدة, وما أحداث توغان وهمشكوريب ببعيد. ويواصل مسلسل العبث إذ يصل بنا الأمر إلي أرخبيل جزر حنيش وأزمة ارتريا مع محيطها العربي,, وهل نسينا مشاكسات هذا النظام وتشغيباته مع جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الأفريقية عند وصوله إلي سدة الحكم؟ وجاءت الطامة الكبرى حينما حلت تراجيديا بادمي.. وما أدراك ما بادمي.. تلك القرية الحدودية التي تقع بين ارتريا وأثيوبيا, ومساحتها لا تتجاوز الكيلو متر مربع! وهي تبعد حوالي 3 كيلومترات ونصف من الحدود الأثيوبية. حيث كانت الحرب العبثية (2000-1998) الحرب المأساة, والتي أخفت مظلتها حقائق اندلاعها, وراحت ضحيتها حوالي 19 ألف قتلى من الجيش النظامي الإرتري حسب لسان الدولة وقتها, أمّا في الحقيقة فقد كان صوت الأرقام مدوياً عندما كشف على ما لا يقل عن 39 ألف ! ومن حسن الحظ أنها كانت سبباً في فض غشاء الوحدة لمشروع تقراي– تقرنيا,, الذي تسرطن رحمه بعد ذلك,, ولفظته الأمنيات إلي مزبلة التاريخ. وهكذا تتدخل مشيئة علاّم الغيوب عند الشدائد,, وتأذن للضعفاء للعيش حينا. ولكن برغم,, ما يزال هذا المشروع الفاشل يعشعش في أدمغة الكثيرين من عشاقه المهووسين. وهكذا,, غاص النظام بالشعب المغلوب على أمره في ظلمات بعضها فوق بعض,, اختزل كل ألوان الوطن في لون واحد يكاد يصيب العين بداء الرمد! ولم يأبه بشيء في تعامله الغير أخلاقي مع منظمات الإغاثة الدولية وإبعادها من مسرح الدولة, واتهامها بالتجسس,, وهو ( النظام ) الذي تجسس وما يزال يتجسس على أبناء الوطن في مشارق الأرض ومغاربها فهل تم قفل بيوت عنكبوته خارج حدود الوطن؟! ناهيك عن تدشينه لتمثال العنصرية ببعثرته لأوراق اللاجئين للعودة الطوعية من أبناء الوطن الذين يقيمون في جمهورية السودان. ثم ماذا بعد استرقاق جيل الغد في عقر داره,, ابتداءً من سياسة التعليم التي أكثرت اللعنات على اللغة العربية وإقصائها من دولاب الوطن,, وهي ذاتها التي امتطى هؤلاء صهوة جيادها بالأمس القريب! وما اعتقال الأستاذ إدريس سعيد أبعري (ابن مدرسة قمبار) إلاّ دليلاً كافياً لأولئك الذين لا يرون إلاّ بعين قائدهم! ومروراً بوقوفه وراء حملة القمع التي أطلقها على الوزراء والأساتذة وأهل الإعلام الذين عارضوا سياساته الهوجاء، أو حاولوا التعبير عن مواقفهم بوضوح لما تقتضيه مستجدات المرحلة. وانتهاءً بمعسكرات التجويع والتركيع وذرع بذور الجهل والتمييز العنصري في أوساط فتية المستقبل. وهذا ما نتج عنه مغامرات الحادبين على مصلحة الوطن من بنين وبنات,, الهاربين من زبانية فرعون القرن الأفريقي,, ولئن رأيتهم لذرفت عيناك دماً,, وتوقفت نبضات قلبك,, وأخذتك سنة من نوم,, من شدة العناء الذي غيّر ملامح بشرتهم. فمن هؤلاء الأبطال من اصطادته شباك الثعابين والحيوانات المفترسة في الطرقات,, ومنهم من يقبع في سجون ليبيا ومالطا,, وآخرون من طاردته لعنات الصحراء وأنياب الحيتان فأودتا بحياتهم جميعا,, ومنهم من قضى نحبه داخل سجون النظام الحاكم ومنهم من ينتظر. وأخيراً ما تناقلته الصحف وما جاء على شاشات الشبكة العنكبوتية,, ها هي شمس إرتريا تكشف لنا كل يوم فضائح القتلة الجبناء,, ولأول مرة قامت الفضائية الإرترية بعرض مسرحية هابيل وقابيل على الملأ متمثلة في خبر جريمة اغتيال الرجل الثاني في دولة ارتريا وهو أحد فرسان القهر والتشريد والإعدام. فضلاً عن التصدعات الداخلية لمباني الجبهة الطائفية التي بدأت تطفح على السطح, وهي ثمرة صراعات قديمة آن لها الأوان أن تتجلى فصولها الآن. وها هي أيضاً عجلة الأزمة تدور حول رأس الملك من جديد, وعلى الصعيدين الداخلي والخارجي. ومع هذا النهج العقيم فقد الشعب صوابه وترنح يمنة ويسرى, حتى أنك تستعجب حينما ترى من بين أفراده من دعاة الوعي والثقافة، يصرخ في وجوه الطغاة خارج حدود بلاده، وتحسبه في سلك العدالة أنه الفاروق أو عمر بن عبد العزيز، وتفاجأ عندما تجده يعشق تمثال العبودية، وتراه يقبل حذاء العسكر في عقر داره! نعم أنه القرن الواحد والعشرين، عالم غريب مليء بالتناقضات، وصدام الذات مع الذات .. وإلي أن تشرق شمس العدالة في ارتريا من جديد,, تبقى في النفوس الوطنية أنشودة أدال,, لحناَ عواتياً,, تتناغمه الأجيال,, وبدرا في كبد السماء,, يضيء ظلام الاستقلال,, فأنا من أدال,, وعنواني أدال,, وتاريخ ميلادي أدال.

إخترنا لكم

21 يناير .. المجد للشعب الإريتري .

صعدوا من التلال ومعسكرات البؤس والإنتظار نحو العاصمة التي تقع على أعلى قمة مرتفع في الهضبة الإريترية. صعدوا وهم يحملون ارواحهم في الأكف. كانوا يدركون ان الثمن يمكن ان يكون حياتهم أو يسعدوا الشعب الذي ناضلوا من أجله. لاوجود لرواية رسمية لما حدث يوم 21 يناير من أصحاب الخطوة الثورية التي يعتز بها الشعب الإريتري قاطبة ، اما الحكومة وكعادة كل الحكومات فقد دمغتها بغير صفاتها . فقد خرج السفير الراحل قرما أسمروم ليوصفها بالإسلامية والمتطرفة وبعد صمت مريب تحدث رأس العصبة أسياس افورقي ليقلل من شأنها.


المزيد   

النشرة البريدية

إشترك في نشرتنا البريدية ليصلك جديد الموقع إسبوعيا على بريدك الألكتروني.