شريط الأخبار
الرئيسيةدراسات وبحوث ← تجربة عودة اللاجئين الإرتريين في الميزان
2005-04-07 الموقع

تجربة عودة اللاجئين الإرتريين في الميزان

نقلاً عن مجلة دراسات القرن الإفريقي ـ العدد الثاني ـأكتوبر 2004م يصدرها مركز دراسات القرن الإفريقي مدخل تمهيدي :- بحلول القرن التاسع عشر ، بدأت كل مجموعة بشرية تتخذ لها إقليماً معيناً يرتبط أهله برابط وحدة الهدف والمصير المشترك ، فنشأت تبعاً لذلك جل الدول ، ووضعت الحدود ، وانتهى عهد الحدود المفتوحة

وقيدت حركة البشر ضمن تلك الأطر ، فنجم عن ذلك وضع جديد وخاصة في إفريقيا التي لم تنشأ فيها الدول في الغالب نتيجة لتطور طبيعي ، وإنما تكونت كياناته بفعل الاستعمار الغربي الذي قطع أوصال القارة ، دون إخضاعها لمعيار موضوعي ، سوى قدرة الدولة المستعمرة على الوصول إلى أقصى مدى جغرافي تقدر عليه ، أو تلتقي فيه مع قوة استعمارية أخرى ، ولم تلتفت للانتماءات الدينية أو الثقافية أو الاجتماعية وحتى أنها لم تضع فواصل واضحة بين الدول ، فأدى ذلك إلى تفجر الأوضاع داخل القارة في ظل الأنظمة الوطنية التي خلفت الاستعمار ، نتيجة لوجود اختلال أثني أو تداخل حدودي ، وإلحاق بعض المجموعات قسراً دون رغبتها مع أمم أخرى كانت معها على عداء . هذه الأزمات والحروب أفرزت ظاهرة إنسانية عرفت حديثاً بمشكلة اللجوء ، التي نشأت في البداية في أوربا ضمن مخلفات الحرب العالمية الأولى ، وقيام عصبة الأمم التي وضعت لهم بعض التدابير العلاجية ، ثم فترة الحرب العالمية الثانية ، وقيام الأمم المتحدة ، إنداحت هذه الظاهرة لتصبح مشكلة عالمية ، وإحدى أهم قضايا هذا العصر ، مما حدا بالأسرة الدولية لتأسيس المفوضية السامية لشئون اللاجئين ، للتعاطي مع هذه القضية ضمن تضامن دولي ، وقد تطورت هذه المنظمة من منظمة محدودة المهام والنشاط في الإطار الأوربي ولمجموعات محدودة فيها ، إلى بسط حمايتها ، ليس على اللاجئين فحسب ، بل إلى النازحين داخلياً ، وعديمي الجنسية وغيرهم من الفئات البشرية في سياق ما حدث لها من طفرات تاريخية.
فمن حيث عدد موظفيها تطورت من 300 إلى 5000 (i) ، ومن ميزانية محدودة لا تتجاوز 300.000 دولار سنوياً في بداية نشأتها ، إلى بليون دولار سنوياً (ii). واتسعت رقعة انتشار المفوضية عالمياً ، فمن اهتمام محدود لإيجاد مأوى لأولئك الذين كانوا ما يزالون بلا مأوى بعد الحرب العالمية الثانية ، وكان عددهم ( 400.000 ) في أوربا ، ومن نشاط محدود داخل القارة الأوربية ، إلى تأسيس مكاتبها في أكثر من ( 120 ) بلداً (iii).
وحالياً تبسط رعايتها وحمايتها لجميع اللاجئين في أرجاء المعمورة ، وطورت برامجها بحيث تستوعب إشكالية دمج اللاجئين ، حتى لا يصبحوا كتلة معزولة داخل المجتمع المضيف ، وبخاصة الفئات الخاصة كالنساء والأطفال والعجزة والمسنين وذوي العاهات المستديمة ، ومن ثم بحث الحلول الدائمة لهم ، ما بعد زوال الأسباب التي ألجأتهم للفرار عن مواقع إقامتهم الأصلية . وقضية اللجوء تستمد أهميتها وخطورتها من وجود أعداد كبيرة في العالم، وخاصة أعدادهم المتزايدة في الدول الفقيرة ، التي لا تستطيع استيعابهم دون مساندة دولية ، بعكس ما كان الحال في الدول الأوربية التي تمكنت من معالجة مشكلة لاجئيها دون الحاجة إلى مساندة خارجية ، لقدرتها المادية والعلمية ، والآن وحسب إحصاءات عام (2000م ) التي صدرت ضمن تقرير نشر في ذكرى مرور 50 عاماً على تأسيس المفوضية تجاوز عدد اللاجئين الـ ( 22 مليون لاجئ)(iv) ، جلهم في الدول الفقيرة . وفي إفريقيا وحدها يوجد ما لا يقل عن خمس هذا العدد (6 مليون لاجئ )(v)، ويعد السودان اكثر دول القارة استضافة للاجئين ، إذ به أكثر من مليون لاجئ ، جلهم من إرتريا حيث تجاوزت نسبتهم61% (vi).
فقضية بمثل هذا الحجم ، فإنها تعكس أزمة إنسان هذا العصر ، الذي عجز عن تحقيق أدنى مقومات الاستقرار والتطور في المجال الإنساني ، بما يكافئ ما أحدثه من طفرات نوعية في المجال المادي والعلمي ، وضمن هذه المشكلة العصرية جاء لجوء الشعب الإرتري إلى خارج وطنه ، بعد أن ألحقت بلادهم قسراً بأثيوبيا ، التي لم تكن علاقتهم بها حميمة طوال التاريخ القديم ، الذي نجم عنه تفجر المواجهة بين الثوار والنظام الإثيوبي ، في سبيل استرداد حقهم المسلوب ، وتحول بلادهم إلى قطعة من لهيب النار. ففروا إلى دول العالم المختلفة ، خاصة السودان الذي كان مقر الغالبية بجانب اليمن وجيبوتي وإثيوبيا.
فبمجرد انتهاء المشكلة بتحرير إرتريا ، كان المتوقع أن تبدأ رحلة عودتهم إلى وطنهم ، ليس لمجرد تحقيق الرغبة في العودة التي كانت رغبة الغالبية ، فحسب بل لكون إرتريا كانت بحاجة ماسة إلى إنسانها لتزيل عنها أثار الدمار الذي خلفته حرب الثلاثة عقود ، وباعتبار أن الإنسان هو عماد أي تنمية ، وعودتهم كانت تعني أن تعود تلك الثروات والإمكانات العلمية والخبرات العملية التي اكتسبوها في المهجر، والإسهام في بناء إرتريا الجديدة . فماذا كانت نتائج وتأثير مسيرة الثلاثة عشر عاماً من تحرير إرتريا في مسار العودة ؟ وكم حجم الذين عادوا فعلاً ؟ وما مستوى نجاح برامج العودة ؟ .
العودة الطوعية الواقع والطموح :-
تجاوز عدد اللاجئين الإرتريين في السودان - كما سبق ذكره - المليون لاجئ ، جلهم في السودان ، إذ أبرزت إحصاءات عام 1991م ، وهو العام الذي تحررت فيها إرتريا- ولما تبدأ بعد عمليات العودة المنظمة لهم من السودان - حوالي ( 579000 ) لاجئ (vii) ، إلا أن العدد الحقيقي ربما كان أكبر من ذلك ، فضلاً عن الزيادة المتوقعة بزيادة المواليد ، وقد أمضى غالبيتهم اكثر من ثلاثة عقود من الزمان ، وكما أشارت بعض الدراسات ، فإن نسبة الخصوبة لدى اللاجئين تبلغ 3.2% (viii) .
منذ الوهلة الأولى لمناقشة قضية إعادة اللاجئين الإرتريين في السودان ، بدأت أزمة الثقة بين الأطراف المسئولة عن العودة المنظمة وهي المفوضية والسودان والحكومة الإرترية ، خاصة بين السودان وإرتريا كدولتي استقبال واصل ، لوجود الهواجس لدى الطرف الإرتري من نهج الحكم في السودان الذي تبنى الطرح الإسلامي ، والذي يتقاطع مع نهجها في الحكم .
وقبل ذلك بين إرتريا والمفوضية حول تقديرات عدد اللاجئين الإرتريين في السودان ، حيث كان تقدير إرتريا لحجم اللاجئين حوالي ( 500.000 ) ، بينما كان لدى المفوضية (300.000 ) . ثم الاختلاف في الميزانية ونوع وحجم الدعم المفترض تقديمه للعائدين ، والمدى الزمني الذي ينبغي أن يعاد فيه اللاجئون من السودان.(ix) فالمفوضية كانت ترى ضرورة الانتهاء في مدى زمني محدود، وميزانية لا تتجاوز خدمات الترحيل وبعض الإعانات المقطوعة ، على أن يسند دعم ما بعد العودة إلى منظمات دولية متخصصة ، لكون ذلك يعد خارج اختصاصها ، بينما قدمت إرتريا ميزانية تقدر بحوالي 262 مليون دولار(x) ،وهو خمسة أضعاف ما كانت قد قدرته المفوضية لكل العملية ، وقد علقت المنظمات التي كانت تعمل في إرتريا آنذاك على هذه الميزانية بأنها تظهر إرتريا وكأنها أكثر دماراً مما هو واقع(xi) .
مهما يكن ذلك الجدل والخلاف الذي دار بين الأطراف الثلاثة ، فإنه أسهم في تأخير عمليات العودة إلى ما بعد عام 1994م ، أي بعد أربع سنوات من التحرير، ويمكننا تقسيم مراحل العودة الطوعية إلى ثلاثة :-
1-مرحلة الإعداد والتحضير واستهلاك العودة المنظمة ( 91-1995م).
2-مرحلة التوقف بسبب انقطاع العلاقة بين البلدين واندلاع المواجهة بينهما ( 96-2000م ) .
3-استئناف العودة الطوعية المنظمة بعد عودة العلاقات بين البلدين (2000- 2004م ).
ففي المرحلة الأولى وهي التي أعقبت التحرير وحتى 1995م ، قدمت مشاريع عديدة منذ 91 ومروراً بـ 92و 93م و1994 م التي توج فيها الحوار بتوقيع اتفاق ثلاثي بين الأطراف الثلاثة عام ( 1994م ) لإعادة اللاجئين ، إلا أن هذه الاتفاقية التي ولدت بعد رحلة مخاض طويلة أدركتها أزمة انقطاع العلاقة بين إرتريا والسودان على خلفية اتهام إرتريا لمساندة السودان لمناوئيها من الفصائل الإرترية ، وخاصة الإسلامية منها ، وذلك قبل إخضاع الاتفاق لتطبيق عملي ، فاضطرت المفوضية لتلعب دور المنسق وتوقيع اتفاق ثنائي مع كل دولة على حدة لرفض إرتريا الجلوس مع السودان .
وكنتيجة للاتفاق الأخير عاد في السنوات المتأخرة من هذه المرحلة أي في الفترة من (1994-1995م ) حوالي ( 23.000 ) عائد ، كمرحلة تجريبية ، ضمن ما عرف بالعودة الرائدة ( Pioneer ) من جملة ما كان متوقعاً بـ ( 150.000 ) في عام 1993م ، و( 150.000 ) في العام الذي يليه على أن يستكمل الجزء المتبقي في عام 1995م ، لتبدأ مرحلة إعادة دمجهم في إرتريا ، وبرامج إعادة إعمار المناطق التي تأثرت بوجود اللاجئين في السودان .
وقبل أن يستكمل حتى ذلك العدد المحدد في العودة الرائدة وهو ( 25.000 ) لاجئ ، تصاعدت حدة الخلاف بين البلدين إلى درجة المواجهة المسلحة فدخلت المرحلة الثانية الممتدة ( من 96-2000 ) وهي الفترة التي دخلت فيها عمليات العودة مرحلة البيان الشتوي والانتظار ، بسبب الظروف الأمنية التي فرضتها المواجهة - بين البلدين - في المناطق الحدودية والمداخل المحددة لعودة اللاجئين فتوقفت المفوضية عن الجانب الإرتري ، وركزت على عودة اللاجئين الأثيوبيين.
ولكنها ظلت تطارد إرتريا في كل محفل دولي لتتحمل مسئوليتها في إعادة مواطنيها، وفصل قضيتهم عن القضية السياسية ، وتوقيع اتفاق ثلاثي أو ثنائي ، وهو موقف فيما يبدو مبني على قناعة المفوضية من أن إرتريا تتحمل وحدها وزر استمرار بقاء لاجئيها في السودان ، وأن حجة ضعف التمويل ما هي إلا ذريعة واهية ، خاصة وأنها كانت تمتلك علاقات جيدة يومها مع الغرب ، بل أن الغرب دعم دولتي إرتريا وإثيوبيا بما يقدر بحوالي 20 مليون دولار أمريكي لتصعيد المواجهة مع السودان ضمن ما يمكن أن يطلق عليه ( الحرب بالوكالة ) في إطار مساعي الغرب لمحاصرة السودان عبر دول الجوار .
وإذا علم بما أبدته إرتريا منذ البداية من مواقف متوجسة حيال جل اللاجئين الموجود ين في السودان ، لكونهم غالبية مسلمة ، ربما تأثروا بالطرح الإسلامي المطروح في السودان ، فربما شكلوا جسوراً لانتقال تأثيراته إلى إرتريا ، وبالتالي إحداث عدم الاستقرار في هذه الدولة الوليدة .
وأياً كانت الأسباب والدوافع وراء تردد إرتريا ، فقد توقفت عمليات العودة المنظمة لخمس سنوات ، ولكن المبادرات الذاتية لدى اللاجئين للعودة لم يتوقف حيث عاد عدد مقدر في هذه الفترة . جاءت في المرحلة الثالثة مبادرة قطر لإعادة علاقات البلدين ، وعلى أثرها انتعشت آمال اللاجئين في العودة إلى بلادهم ، وبينما الحوارات تمضي في طريق الوصول إلى الاتفاق ، تفجرت فجأة الأزمة بين إرتريا وإثيوبيا عام 1998م على خلفية نزاعهم على تبعية شريط حدودي ، والذي عرف بنزاع بادمي فتوقفت خطط العودة بعد اندلاع الحرب بينهما ، في مايو 1998م .
واستمر توقف العودة إلى ما قبل نهاية عام 1999م بسبب الغيوم الملبدة التي كانت تظلل سماء البلدين من توقع تجدد القتال في أي لحظة من جراء الحشود المستمرة على حدودهما والتعبئة المستمرة ،إلا أن استمرار الهدنة لما لا يقل عن عامين (يوليو98 –إلي 12/مايو/2000م ) ، جدد الآمال من جديد في العودة ، فتم توقيع اتفاقية ثلاثية تحكم مسار العودة في أبريل 2000م (xii) ، وأخذت عمليات التعبئة طريقها وسط اللاجئين في مايو من ذات العام ، إلا أن تجدد القتال بين إثيوبيا وإرتريا بعد أيام من ذلك واتخاذ الحرب منحاً عنيفاً هذه المرة ، والتي تسببت في نزوح مجموعات في الداخل ولجوء أعداد جديدة إلى السودان .
إلا أن الحرب الأخيرة بين إثيوبيا وإرتريا لم تستمر طويلاً ، حيث توصلا لاتفاق الجزائر للسلام المعروف ، الذي انعكس إيجاباً على عمليات عودة اللاجئين ، ولكن جل الاهتمام انصب على اللاجئين الجدد الذين تجاوز عددهم (100.000) لاجئ .
ومع مطلع عام ( 2001م ) ، في شهر مارس تحديداً ، جدد اتفاق أبريل 2000م لإعادة ما تبقى من اللاجئين الجدد والقدامى حيث كان تقدير المفوضية أن اللاجئين المحصورين لغرض الاتفاقية الأخيرة هو حوالي (160.000)(xiii) ، استناداً إلى نتائج المسح الميداني الذي أجري عام 1998م . وبدأت التعبئة والتسجيل للعودة وسط اللاجئين ، ومورست ضغوط مختلفة على المترددين بسبب تردي الأحوال في إرتريا عموماً ، وعدم وصول قطار السلام إلى محطته الأخيرة بين البلدين ، إلا أن ذلك لم يجدي حيال كوابح التجاوب التي نجمت عن شعورهم من أن إرتريا لم تعد في وضع يحقق تطلعاتهم، بسبب تراجع التطور السياسي لإرتريا ، بتراجع محاولات الإشراك التي مورست من قبل الحكومة الإرترية بشكل محدود مع الاستهلال الأولى لحكمها ، وتدهور الوضع الاقتصادي ليس لعجز أرض إرتريا عن الوفاء بمستلزماتهم الحياتية ، وإنما لسوء إدارة الحكومة لمسألة التنمية ، من جراء انتهاج سياسة عقيمة وتقييد حركة الإنتاج من خلال حظر الأنشطة الاقتصادية على كل موظفي الدولة ، رغم حاجة إرتريا إلى تكثيف الإنتاج وتشجيع كل الفئات . وكذلك إدخال كل الشباب المقتدر في الجيش ،حتى لم يبق في مواقع الإنتاج إلا العجزة والمسنين والنساء والأطفال ، فتوقفت عجلة التنمية ، فضلاً عن استغلال الشباب في خدمة لا متناهية تحت مظلة قانون الخدمة الوطنية الذي لم يكن محل رفض الشعب الإرتري ، ولكنه اخذ شكلاً غير مقبولاً في إرتريا بما ينطوي عليه من من أزمن متطاولة ، وغير معلومة المدى والنهاية ، كل هذه العوامل وغيرها متضافرة وضعت اللاجئين في وضع التردد والانتظار وإن حصلت العودة فتكون للعجزة والمسنين والأطفال والنساء ، - كما سبقت الإشارة إليه - ويتخلف المقتدرون من الشباب . وبالمقابل بدأت عمليات اللجوء المعاكسة للشباب من الداخل ، بسبب شعورهم بالإحباط من الأوضاع في إرتريا ، من جراء سياسة الحكومة ، مما يهدد مستقبل إرتريا بخلوها من الشباب المنتج والمدافع عن حماها .
العودة بين النجاح والفشل :
إن قراءة سريعة لواقع العودة المنظمة منذ عام 1991م حتى أخر العائدين هذا العام ( 2004م ) تعكس عدد الذين عادوا فعلاً ، ويقدرون بحوالي ( 104323 ) عائد ، وهم لا يشكلون سوى 18% من جملة اللاجئين في السودان.
وإذا أضفنا إلى هذا العدد ،أولئك الذين عادوا بشكل غير منظم في إطار المبادرات الذاتية للاجئين اعتماداً على إمكانتهم الذاتية - بافتراض أن هذا الرقم صحيح - هو ( 130.000 )(xiv) ، فسوف يصبح عددهم ( 234323 ) ، ولا يشكل هذا العدد إلا نسبة 40% ، متجاوزين بطبيعة الحال نسبة الزيادة المتوقعة من جراء إضافة المواليد ، الذين ولدوا بعد القدوم ، وهذه النسبة اقل من نصف عددهم خلال فترة الثلاثة عشر عاماً المنصرمة ، بل اصبح للعامل الزمني دوره وأثره على مستوى تجاوب اللاجئين مع برامج العودة ، ليس لزهد الإرتريين في العودة إلى وطنهم – ففي كل المسوحات الميدانية أكدوا رغبتهم بنسبة تجاوزت 90% - وإنما يعود عزوفهم عن العودة ، لبروز عوامل موضوعية والتي أشرنا إليها سابقاً ، ويمكن استخلاص هذا التراجع المطرد في درجات الاستجابة، فضلاً عن تأثيرها على نوعية العائدين ، من هذه المقارنة البسيطة ، حيث اصبح واضحاً هذا التراجع ففي الاتفاقية الأخيرة كان مقدراً عودة ( 160.000 ) لاجئ ، وهي الفترة من (2001- 2002م ) ، ولكن الذين عادوا كانوا في العام الأول (2001) حوالي ( 48.803 ) وفي العام الذي يليه (14.875 ) ، وبمد البرنامج لعام ثالث ( 2003) كان حجم الذين عادوا فيه حوالي ( 9430 ) وأخيراً هذا العام بعد المد الأخير( 2004م ) ، كان حوالي ( 7.497 ) عائد (xv) .
ورغم أن البرنامج مدد لأكثر من مرة - ولا ندري متى سينتهي مسلسل المد- الذي كان أخره من (31 مايو إلى 31 ديسمبر 2004م ) ، إلا أن الذين عادوا لم يتجاوز الـ( 90.000 ) عائد ، وهم لا يشكلون إلى نسبة 57% من جملة العدد المفترض عودتهم في الاتفاقية الأخيرة.
والأمر يتعقد اكثر إذا علمنا أن هذا العدد نفسه لا يمثل نسبة ضئيلة من العدد الحقيقي اللاجئين ، فضلاً عن تطلع من بداخل إرتريا للخروج منها ، حيث أخذت موجات جديد من الشباب من الجنسين ، تتسلل أو تتدفق إلى الدول المجاورة ، وخاصة السودان ، وسوف يكون لهذا تأثيره السالب على عمليات العودة .
وتوقفت بالفعل المبادرات الذاتية وتغيرت نوعيات العائدين كما سبقت الإشارة ، ورغم ضآلة هذا العدد فإن مساعد معتمد اللاجئين السيد/ احمد إبراهيم الفكي بالشوك ، يعتبر أن البرنامج حقق أهدافه ، وأن المتبقين لهم الرغبة في العودة (xvi) .
ويفسر وجود عدد كبير من المعسكرات في المنطقة ( أي في كسلا والقضارف ) إلى عدم دمج تلك المعسكرات ، حسب الخطة الموضوعة ، لكونهم ما يزالون في مرحلة الفحص القانوني ، التي بانتهائها سيتقلص عدد المعسكرات إلى معسكرين ، أحدهما في ولاية القضارف والأخر في ولاية كسلا ، غير أن السيد حسن محمد عثمان المساعد السابق للمعتمد ، ومستشار حكومة ولاية القضارف لشئون اللاجئين ، يعتقد أن البرنامج فشل بدليل وجود أعداد ضخمة من اللاجئين ، حيث ما يزال ما لا يقل عن ( 62.862 )(xvii) في خمس معسكرات فقط ، بولايتي االقضارف وكسلا ، من جملة المعسكرات البالغة عددها (30 ) معسكراً للاجئين .
وبطبيعة الحال لا يدخل ضمن هذا العدد لاجئي المدن ، وعلى كل حال فإن ما يقصده السيد مساعد المعتمد من نجاح ، ربما يعود للعدد المحدد في الاتفاقية الأخيرة ، وليس لقضية عموم اللاجئين الإرتريين ، إذ أن العدد المتبقي لا يزال يشير إلى ضخامة حجمهم رغم مرور أكثر من ثلاثة عشر عاماً ، وأن وضعهم القانوني بحسب رأي المستشار أصبح مجهولاً ، بعد اعتزام الأمم المتحدة أن تطبق بند الانقطاع ، بعد الانتهاء من المهلة المتبقية التي تنتهي بنهاية هذا العام(2004م) وأنها سترفع حمايتها التي كفلتها المواثيق الدولية لهم لانتفاء الأسباب التي ألجأتهم للفرار خارج بلادهم ، ومن غير الممكن استيعابهم ضمن حلول الاستيعاب المحلي لكونهم جاءوا لظروف قاهرة ، ضمن حرب طاحنة طالة بلادهم ، وغبن يعتمل في صدورهم من جراء اغتصاب بلادهم بتآمر دولي ومحلي ، وكانت استعداداتهم للعودة كبيرة ، بدليل الذين عادوا عبر المبادرات الذاتية اكثر من الذين عادوا في إطار برنامج العودة المنظمة ، وخيار البقاء في السودان لو أنه جاء كنتيجة لاستواء الخيارات ، لكان ممكنا ، أما أن يأتي قسراً بعد أن حالت دون عودتهم ممارسات خاطئة لحكومة يفترض فيها أن تضعهم ضمن أولويات برامجها ، فضلاً عن التعقيد الاجتماعي الذي يفرضه بقاؤهم بهذا الشكل ، فلن يكون حل الاندماج مقبولاً بالنسبة إليهم .وأن قناعة أغلب اللاجئين أنه كان بإمكان إرتريا تفادي أغلب
الحروب التي خاضتها مع دول الجوار ، بعد الاستقلال ، وحالت دون عودتهم إلي بلادهم ، وزادت من دمار إرتريا .
فالجبهة الشعبية لتحرير إرتريا التي كونت الحكومة بمفردها ، لو أنها أخذت بفكرة المؤتمر الوطني " للمصالحة " الذي أخذت به الجبهة الشعبية لتحرير التقراي. مع حلفائها قبل استهلال حكمها ، الذي التأمت فيه كافة القوى الإثيوبية بما في ذلك من كان خارج التحالف ، كان اجدر لها من هذه الهواجس التي وقعت فيه ، ودفعتها لاستعداء جل دول الجوار بظنها ، بأن هذه الدول تقف وراء مناوئيها من الفصائل الأخرى التي كانت امتداداً لمرحلة الثورة .
ولو أنها فعلت ذلك لزاد من رصيدها محلياً ودولياً ، ولكان وضع إرتريا مختلفاً ولكان جل الإرتريين إن لم نقل كلهم داخل إرتريا يساهمون في بناء الوطن وتعود معهم إمكاناتهم . ولكن عجلة الزمن لا تعود وهذه الثلاثة عشر عاماً الماضية التي مرت على إرتريا ، وما انطوت عليه من تفاعلات سلبية تجاه العودة المنظمة التي لم تحمل لنا إلا رقماً ضئيلاً جداً ( 97.000 ) وهو مؤشر كبير ودليل فشل الدولة الإرترية في احتواء مشكلة اللاجئين رغم أنه كان ينبغي أن تكون أولى أولوياتها ، ولا ينهض ضدها مبرر موضوعي ما دام الاستعداد للعودة لدى اللاجئين ظل عالياً. ونحن نشارف نهاية المد الأخير في الزمن ، ما هو مصير اللاجئين الإرتريين في السودان ؟ الذين يتجاوز عددهم - بأقل تقدير- نصف مليون لاجئ .
صحيح أن المفوضية في إطار بحثها وتوخيها توفير قدر كبير من العدالة ، وعدم الإضرار باللاجئين ، فتحت باب الفحص القانوني لجميع اللاجئين ، وهو ذلك الإجراء الذي فتح نافذة أمام أولئك الأشخاص الذين ما يزالون يشعرون بعدم الأمان مع وجود النظم القائم لأسباب موضوعية تتعلق بمواقفهم السياسية أو وضعهم الاجتماعي ، فمثل هذا الإجراء يتضمن لمن يفلح في تقديم مبررات حقيقية ، البقاء تحت مظلة قانون اللجؤ والميثاق الدولي . إلا أن حقائق الواقع تبرز قلة العدد الذي شملهم هذا الإجراء ؟ لمحدودبة الحملة الإعلامية ، وضعف توعية اللاجئين إلى ضرورة الاستفادة من هذه الفرصة ، فبعضهم لم يسمع بها ، وبعضهم لم تتوفر له الوسائل ، كالبطاقات أو أي وثيقة تبين هويتهم كلاجئين ولبعضهم وضع خاص حيث أتخذ لنفسه مجموعة من التدابير الحمائية التي حالت دون دخولهم في برنامج الفحص القانوني ، فضلاً عن عدم وجود معايير موضوعية كافية حيث تركت أغلب التقديرات لاجتهادات كل لجنة لوحدها بجانب قلة معرفتهم بالمجتمع الإرتري وتعقيداته .
لكل هذه العوامل وغيرها لم يكن حجم الذين استوعبهم البرنامج كبيراً ، فما هو مصير الذين لم ينجحوا ولا يرغبون في العودة في ظل النظام الحالي ؟ بل ما هو مصير الذين نجحوا في ظل تراجع الدعم الدولي لبرامجهم ؟ في الوقت الذي تدهورت فيه إمكاناتهم بسبب فترة الانتظار الطويل التي أمضوها ، رغبة في العودة ، وتغير الأوضاع في إرتريا نحو الأحسن ، بما يمكنهم من العودة ، ثم إنهم قضوا على كل مدخراتهم المتواضعة في هذه الفترة . فإنه من غير المعقول أن يعاقب اللاجئون ولا يمارس ضغط يذكر على الحكومة لتحسين أوضاع إرتريا وإحداث تغييرات في مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وما دام العالم يبيح لنفسه التدخل في بعض القضايا ويزيل أنظمة لأنها غير جديرة بالبقاء لأسباب إنسانية ، فلماذا لا يمارس نفس الدور مع إرتريا .
وخلاصة القول أن برنامج العودة للاجئين الإرتريين يعد فاشلاً بكل المعايير ، لكون الذين عادوا بشكل منظم لا يتجاوز الـ 18% ، والآن تراجعت المبادرة الذاتية لدى اللاجئين ، وتحورت عمليات العودة ، وأخذت هجرات معاكسة للشباب من الجنسين . ربما يكون لهذا الوضع أسبابه التي يمكن إجمالها في النقاط التالية :-
1)تطاول أمد المفاوضات التحضيرية الأولى ، وكثرة المشاريع والاتفاقات التي لا تنفذ حتى أصبحت إرتريا صاحبة أكبر رقم في مشاريع واتفاقات العودة التي لم تر النور بحجة ضرورة توفر ضمانات دولية بالمساعدة المادية وامتلاكها فعلاً قبل استهلاك العودة .
2) حجة عدم تنفيذ هذه الاتفاقات لقلة التمويل ، رغم ما كان يربط إرتريا بالغرب يومها ، ووجود علاقات متميزة بينهما بما في ذلك إسرائيل التي أثارت ردود فعل غاضبة لدى الدول العربية مما دفعهم للأحجام عن التفاعل مع إرتريا وقضاياها رغم مساندتهم التاريخية للنضال الإرتري . 3)بروز الخلاف الإرتري السوداني على خلفية اتهام إرتريا للسودان بدعم المعارضة الإرترية التي كانت تشكل امتداداً لمرحلة الثورة والذي حال دون تطبيق الاتفاق الثلاثي الموقع عام 1993م ، ثم تدحرج الأوضاع بين البلدين إلى هوة المواجهة المسلحة وتردي الظروف الأمنية على الحدود والمداخل المقترحة لعودة اللاجئين .
4)اندلاع الحرب بين إرتريا وإثيوبيا على خلفية نزاعهما على تبعية شريط حدودي وهو بادمي في الفترة من ( 98 – 2000م ) والذي تسبب في نزوح أعداد ضخمة داخل إرتريا ، ولجوء أعداد أخري إلى السودان .
5)تردي الأحوال الاقتصادية ، بسبب سياسات الحكومة الإرترية الاقتصادية غير الموفقة ، حيث قيدت حركة الإنتاج بإدخال كل القادرين على الإنتاج في الجيش والخدمة غير المتناهية تحت مظلة قانون الخدمة الوطنية ، فأهملت مشاريع الإنتاج حتى دخلت إرتريا مرات عديدات حالات من العجز التي أسلمت من بالداخل إلى الفاقة والحاجة للدعم والإغاثة .
6)تراجع الوضع السياسي والشراكة الخجولة التي ظهرت مع أولى تأسيس الدولة الإرترية من قبل الجبهة الشعبية ( التي احتكرن السلطة ، إلا أنها حاولت في البدء أن تسمح بشراكة محدودة في المجالس الإقليمية ووعدت بالتحول الديمقراطي ولكنها انتهت إلى مزيد من بسط قبضها الأحادية على إدارة الدولة .
7)استغلال الشباب في خدمة غير متناهية المدى الزمني والذي تسبب على مستوى العائدين إلى إحجام الشباب عن العودة وطغيان فئات النساء والأطفال والعجزة والمسنين ، وعلى مستوى من هم بالداخل أدى إلى فرار الشباب إلى خارج إرتريا ، يواجهون مصيراً مجهولاً بعد فترة انتظار طويل من حدوث تحول كان يأملونه في إرتريا ، فضلاً عن شعورهم من أن إثارة الحرب غير المبررة أسهل ما تكون لدى النظام القائم الذي يستغلهم في هذه الحروب .
إن مأساة اللاجئين الإرتريين ، بعد مرور ثلاثة عشر سنة ، لا يبدو أنها تسير إلى النهاية ، بل تتفاقم اكثر في ظل تجاهل المجتمع الدولي وتراجع دعمه المطرد ، بحسبانها أضحت من القضايا المجهولة ولا تحظى بالدعاية الإعلامية ، بمجرد قدوم نظام صديق في إرتريا .
فقد أصبحت قضيتهم لدى الغرب من القضايا المنسية ، وبالمقابل لا يرغب النظام في عودتهم لأسباب سبق ذكرها ، ففي ظل هذه الظروف ينبغي على الأسرة الدولية تحمل مسئوليتها تجاههم بوضع الحلول الممكنة لهم بالضغط على إرتريا حتى لا يدفعهم وضعهم البائس إلى إثارة القلاقل في هذه المنطقة وبالتالي الإضرار بالسلم الدولي .
المصـــادر :-
(1) UNHCR. The state of the world Refugees Fifty Years of humanitarian Action- Markcutts and Others- Oxford University Press. 2000, P.3.
(2) Ibid – p-3 .
(3) Ibid – p3 .
(4) Ibid – ix .
(5) صلاح حاج عربي أحمد – اللاجئون في السودان بين المشكل والحل – ماجستير – جامعة الخرطوم – 1996م – ص I .
(6) عبد الحميد بله – من أوراق مؤتمر أركويت الثالث بعنوان الحركات السكانية في القرن الأفريقي – الخرطوم / 2000م – ص 2 .
).7) C.O.R- REFUGEES Statistic report Khartoum- December 1991. p. 10.
(8) هاشم سليمان محمد – مشكلة اللاجئين وأثرها على الأمن القومي السوداني – الأكاديمية العسكرية – بحث غير منشور – 1992م – ص 42 .
(9) UNHCR Annual report about refugee in the world – 1999.p . 5 .
(10) World refugee Survey (v.s) Committee for refugee 1994 –P-53 .
(11) UNHCR Annual report – opcit . p . 4 .
(12 ) Agreement between the gover . of Eritrean state and the Republic of the Sudan and UNHCR . for Voluntary of Eritrean Refugees – 7 April – 2000 – p .1 .
(13) (12 ) Agreement between the gover . of Eritrean state and the Republic of the Sudan and UNHCR . for Voluntary of Eritrean Refugees – 20 march 2001 . p . 1 .
(14) ) UNHCR Annual report – opcit . p 5 .
(15 ) معتمدية اللاجئين – تقرير عن العائدين الإرتريين – إدارة الوثائق والبحوث – 2003م – ص 1 .
(16 ) جريدة الصحافة – العدد ( 3966 ) – 13 يونيو – 2004م – ماساة نسيها العالم .- ص8 - . ( 17 ) المصدر السابق - ص8 .

إخترنا لكم

الوزير براخي قبرسلاسي والثمن الغالي لمواقف التنوير !.

ونحن نُعد ما يشبه البروفايل للوزير والمناضل المُغيب براخي قبرسلاسي ، اختارت زوجته المناضلة محرت ايوب طريقة قاسية للأحتجاج ..مرة أخيرة قالتها ثم توارت في الغياب الأبدي ... مرة لا تتكرر قالتها في 13 من إبريل 2017م ثم إختارت طريقة لرحيلها . ستظل الأسئلة مفتوحة حول طريقة رحيلها .. و ستظل شكل من أشكال الإحتجاج الصامت الذي يلف الحياة في بلاد الخوف والرعب .. إتقف الناس حولها أم لم يتفقوا .. لا مجال لأخذ موقف أخلاقي من طريقتها هنا سوى ان نترحم عليها ونتضامن مع أنجالها في محنتهم الكبرى.. فقط يمكن القول ان الألم تفتق وكبر ولم تحتمل السيدة النبيلة . وان الموقف من قضية الإنسان ستظل متقده ولا مجال للحياد أو الأحاديث الميته للسياسة البائسة ، وان الذين تسببوا في الرحيل المفجع للسيدة ايوب لن يفلتوا دون عقاب.


المزيد   

النشرة البريدية

إشترك في نشرتنا البريدية ليصلك جديد الموقع إسبوعيا على بريدك الألكتروني.