مقالات

الثورة الأريترية.. مشاهد وتداعيات شخصية. بقلم/ فيصل محمد صالح

3-Sep-2016

عدوليس ـ نقلا عن الأيام السودانية

إلى محمد محمود الشيخ، وعبره إلى روح عمار محمود الشيخ وحكيم محمود الشيخ”نذل أنا إن مت قبل الانفجار” *مشهد أول:صباح مشرق والطائرة تهبط في مطار أسمرا ذات يوم من صيف 1995، حيتني موظفة المطار بالتقرينية، فرددت التحية، ابتسمت ثم سألتني سؤالاً بجملة طويلة، كان مخزوني من اللغة قد نفد، لجأت للغة الفرنجة لأخبرها أنني لا أجيد هذه اللغة. ردت علي مرة أخرى بنفس اللغة، أو هكذا ظننت، عدت مرة أخرى وأدخلت الفرنجة بيني وبين بنت عمي، فردت علي بإنجليزية فخيمة: – لكني تحدثت معك بالأمهرية هذه المرة!* …آه يا ابنة العم، حتى هذه لا أجيدها.

– أنت أريتري أم إثيوبي؟* أنا سوداني
آآآه صدرت منها تلك الآهة التي لا يمكن نطقها ولا كتابتها- ولكنك لا تشبه السودانيين.. أنت تشبهنا* كل السودانيين يشبهونكم يا ابنة العمودخلت أسمرا للمرة الأولى بعد شوق طال، وقد تكرمت ابنة العم ومنحتني جنسيتها، ولم يكن لدي شك بأنني استحقها..
مشهد ثاني:هاهي أسمرا تفتح أبوابها أمامي، تبتسم في وجهي وانا عاشقها من على البعد. منذ سنوات طويلة كنت ضيفاً دائما في مناسبات التضامن مع الثورة الأريترية، وصديقا للمناضلين والناشطين من كل الجبهات، لكن بحكم خلفيتي اليسارية كنت أجد أن الشعبية هي الأقرب لي. وكثيرا ما انخرطت في نقاش وجدال مع أصدقاء من جبهة التحرير وتنظيماتها المختلفة، وأسماء القادة تتردد، عثمان صالح سبي، أسياس أفورقي، محمد عثمان ابوبكر، رمضان محمد نور، أحمد ناصر، عبد الله إدريس، جيلاني، إبراهيم توتيل.
لم يقل لي أحد يوماً وما شأنك بثورتنا وأنت لست أريترياً. كانوا يعرفون محبتي التي لا أخبئها. يوم قتل محمود حسب ذهبت أبحث عن حامد حمد لأسأله: هل صحيح أن الشعبية هي من قتلته؟ انزعج من سؤالي وبدأ يفند في الاتهامات. لم يستنكر سؤالي، هو يعرفني وأنا أعرفه، ويتذكر كم مرة نظمت له عروضا في دار الحزب الذي أنتمي له لمعارك أفعبت ونقفة، وانتصارات وصمود الثورة الأريترية، كما نظمنا لقاء لأسياس أفورقي مع قيادة الحزب.
تاريخ لا يمكن نزعه بسهولة، ، تمرحل من النضال السلمي والتعبئة لمعارك التحرير، الشيخ إبراهيم سلطان، ولد آب ولد مريم، محمد سعيد ناود وحركة تحرير اريتريا، ثم اليوم المبارك الذي شكل فاصلة مهمة في النضال الأريتري في الفاتح من سبتمبر 1961، حين انطلق النضال المسلح بعدد من بنادق ابو عشرة القديمة المتخلفة على يد حامد إدريس عواتي ورفاقه.
أعظم ما في نضال الأريتريين أنه كان يسير عكس رياح السياسة العالمية، فرض نفسه على حركة التاريخ وفرض إرادته التي لم يكن هناك من كثير تعاطف معها في البداية، إما للاعتقاد بأن لا أحد سيقبل بدولة مستقلة عن إثيوبيا، أو لأن تصور الانتصار على إثيوبيا من قبل حفنة من الرعاة الفقراء كان شيئا أبعد من المستحيل.
ما أبعد النقطة التي ابتدأوا منها، هم فعلا ابتدأوا من المستحيل ، كثير من حركات التحرير في العالم بدأت بآمال عراض، ثم تضاءل أملها مع مرور الأيام، حتى وصل بعضها لمرحلة الياس من استحالة انتصار الثورة. لكن الثورة الأريترية بدأت من نقطة الاستحالة، حتى اكتمل بدرها بعد ثلاثين عاماً.
مشهد ثالث :
السيارة تشق الطريق من أسمرا مرورا بأفعبت ونقفة إلى قرورة السودانية، السائق الذي كان من مقاتلي الثورة الاريترية يعدد أماكن المعارك التاريخية ويستذكر بطولات الشهداء. دخلت في حالة نعاس أقرب إلى النوم، فجأة سمعت صوت السائق يتحدث للعميد عبد العزيز خالد وهو يشير إلى مكان ما: هنا استشهد إبراهيم عافة، داهمتني نوبة نشاط ، طلبت منه التوقف ليشير إلى المكان. نظر إلى بدهشة وهو يسأل: وهل تعرف إبراهيم عافة؟ أجيبه سريعاً، ومن لا يعرفه، وهل يمكن لشخص له صلة بالثورة الاريترية ألا يسمع عن الشهيد إبراهيم عافة.مشهد رابع:
ايام الاستفتاء على استقلال أريتريا، والذي حدث بعد التحرير، دخلت سيدة مسنة إلى موقع التصويت، كان الإجراء المطلوب هو التأشير على خانة الاختيار، ثم رمي الورقة في الصندوق. لكن السيدة فعلت ما ظل محفورا في ذاكرتي حتى الآن، وضعت الورقة جانباً، ثم احتضنت الصندوق وهي تبكي. يا الله، كانت صورة أبلغ من أي تعبير، لعلها لم تكن تظن أن هذا ممكن الحدوث في يوم ما، أن تأتي في هدوء وسلام لتعبر عن اختيارها الحر. لعلها في تلك اللحظة استرجعت هذا التاريخ الطويل من الثورة والنضال، وأرتال الشهداء التي دفعت روحها ثمنا لذلك. كانت تلك أبلغ رسالة تصويت شاهدتها في حياتي.
مشهد ختامي:
هل يعجز من بدأ من المستحيل ليصل إلى انتصار الثورة والتحرير الشامل، أن يعود إلى الانطلاق من نقطة المستحيل مرة أخرى؟
* من قصيدة للشاعر محمد محمود الشيخ (محمد مدني)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى