مقالات

هل سيشهد عام 2014 عودة العلاقات الاستراتيجية التي دشنت بين أسمرا وأديس أبابا في أوئل تسعينيات القرن الماضي؟ / حسن أسد

12-Feb-2014

نقلاً عن موقع مبادرة

يبدو أن القطيعة التي دامت خمسة عشر عاماً بين إريتريا وإثيوبيا تقترب الآن من النهاية. فالجهود الأوروبية الحثيثة لإيجاد حل للصراع الإريتري الإثيوبي لم تتوقف منذ اندلاع الحرب المدمرة وغير المتوقعة بين البلدين في 1998 بسبب نزاع في (ظاهره) حول بلدة بادمي الحدودية.

وكانت المساعي الأفريقية والدولية التي أفضت إلى وقف القتال بين البلدين قد فشلت في تحقيق تسوية سلمية شاملة للصراع تعيد العلاقات بين أسمرا وأديس أبابا إلى سابق عهدها ما قبل حرب عام 1998 حيث اشترطت إثيوبيا إجراء محادثات ثنائية مع إريتريا قبل الترسيم النهائي للحدود بين البلدين وفق قرار مفوضية ترسيم الحدود الإريترية الإثيوبية الذي يقضي بتبعية بلدة بادمي المتنازع عليها لإريتريا، الأمر الذي جر الطرفين إلى الانخراط في حروب بالوكالة من خلال تبني كل طرف فصائل معارضة للطرف الآخر، وكذلك أصبحت الساحة الصومالية ساحة معركة يستنزف فيها الطرفان بعضهما البعض.
وكانت الساحات الإقليمية والدولية أيضاً ميادين معركة سياسية محتدمة بين الجانبين سعى كل منهما لحشد التأييد الإقليمي والدولي لصالحه. على الصعيد الإقليمي استفادت إثيوبيا من تحرشات النظام الإريتري بدول المنطقة، السودان واليمن وجيبوتي مما ساعدها في عزل النظام الاريتري عن منظمة الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيقاد. وتواجه الدول الغربية التي تسعى لتطبيع العلاقة بين أسمرا وأديس أبابا مأزقاً في هذا الصراع إذ أن لكل من الدولتين لها أهميتها الإستراتيجية التي تتصل بمصالحها الاقتصادية والأمنية في هذه المنطقة، ولكل منهما أعلى الساحة الدولية وعلاقاتها بصانعي القرار في تلك الدول بدرجات متفاوتة، مما جعل المساعي الدولية تنصب إلى حد كبير في تحقيق تسوية لا يغبن فيها أي من الطرفين. وهذا ما شجع النظام الإريتري على المراهنة على المجتمع الدولي بل وابتزازه لكي يضغط على إثيوبيا.
سجلت اثيوبيا نجاحات أكبر في معركة الساحة الدولية بحكم وزنها التاريخي والإقليمي، فإثيوبيا من أهم حلفاء الغرب في مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية في منطقة القرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر. لذلك كانت ضغوط الإدارات الأمريكية على النظام الإريتري أقوى في المرحلة السابقة ووصلت إلى حد تصنيف إريتريا بدولة تؤوي الإرهاب في إشارة إلى علاقتها بحركة الشياب الصومالية وموقفها السياسي المعلن ضد الترتيبات الأمريكية الإثيوبية في الصومال، وفرضت على أسمرا عقوبات أممية مخففة. وكان رد فعل النظام الإريتري على المواقف الأمريكية الضاغطة هو شن حملات إعلامية على الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ نهاية التسعينيات ومحاولة استنفار مجموعات ضغط أمريكية متعاطفة معه.
ولكن على الرغم من الخطاب السياسي الحاد المتبادل بين النظام الإريتري والإدارة الأمريكية، إلا أن هناك رغبة مشتركة بين الطرفين لتطبيع العلاقة بينهما. فالجبهة الشعبية بقيادة أسياس أفورقي كانت قد نجحت في تأسيس علاقات قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية منذ مرحلة الكفاح المسلح. ولعبت الولايات المتحدة والدول الأوروبية دورا كبيراً في إبراز الشعبية على الساحة الدولية إلى جانب الجبهة الشعبية لتحرير تقراي في سياق سياسات هذه الدول لتغيير نظام منقستو هيلي ماريام في إثيوبيا في ثمانينيات القرن الماضي. فبعد التحولات السياسية الجذرية التي شهدتها إثيوبيا في منتصف سبعينيات القرن الماضي، والتي جلبت النفوذ السوفييتي إلى معقل نفوذ الغرب في أفريقيا (إثيوبيا) وجد الغرب في الجبهة الشعبية لتحرير تقراي والجبهة الشعبية لتحرير إريتريا الحلفاء الذين يمكن أن تطمئن لحكمهم في كل من اثيوبيا واريتريا. وتضمن بذلك القضاء على النفوذ السوفييتبتي في اثيوبيا من ناحية، وبقاء اريتريا المستقلة في إطار النفوذ الغربي من ناحية اخرى. ومن المعروف ان الولايات المتحدة والدول الغربية كانت لها تحفظات من إقامة دولة إريترية مستقلة بعد دول المحور في الحرب العالمية الثانية خشية إرتباطها بالمد الثوري العربي. وتمحورت مواقف هذه الدول حول تحقيق أطماع حليفتها اثيوبيا في الإطلالة على البحر الاحمر من خلال ضم اريتريا، لكي تؤمن مصالحها الامنية والاقتصادية في منطقة القرن الافريقي وحوض البحر الاحمر. وبعد سلسلة من المناورات السياسية في اروقة الامم المتحدة حول مقترحات دولية تتعلق بمصير اريتريا تراوحت بين تقسيم اريتريا بين اثيوبيا والسودان وضمها كليا الى اثيوبيا والتي استمرت من 1948 الى 1951 تم ربط اريتريا باتحاد فدرالي (صوري) باثيوبيا كخطوة تهيدية لإلحاق اريتريا باثيوبيا. ومما يدلل على تأمر الدول الاوروبية والولايات المتحدة لتزوير إرادة الشعب الاريتري في عمليات تقصي الحقائق إبان فترة حق تقرير المصير، قال وزير الخارجية الامريكية أنذاك جون فوستر دالاس عام 1952: ” من وجهة نظر العدالة ، يجب أن توضع رغبة الشعب الإريتري في الاعتبار. الا ان المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في حوض البحر الأحمر واعتبارات الأمن والسلام العالمي تجعل من الضروري أن تكون البلد [إريتريا] مرتبطة مع حليفتنا اثيوبيا. “
شكل الصراع الاريتري الاثيوبي الذي اندلع في 1998 على غير توقع من الدول الغربية ضغوط اقتصادية وسياسية كبيرة على الطرفين المتصارعين. ولا شك ان خطط التنمية الطموحة للائتلاف الحاكم في اثيوبيا من أجل إنتشال إثيوبيا من دائرة التخلف والمجاعات من خلال الاستغلال الامثل لموارد البلاد قد تاثرت من جراء اعباء الحرب على الخزينة الاثيوبية. وهذا بدوره ادى الى ارتفاع الاصوات المعارضة للحكومة الاثيوبية سواء من داخل الائتلاف الحاكم او خارجه. ومن المعروف ان القوة الرئيسية في الائتلاف الحاكم (الجبهة الشعبية لتحرير تقراي) تعرضت لانشقاق رموز قيادية بسبب خلافات حول ادارة الحرب مع اريتريا والملابسات التي أحاطت بوقف القتال. كما اثارت حالة اللا حرب واللاسلم حفيظة قوى سياسية واجتماعية كان لها موقف معارض لاستقلال اريتريا الذي حرم اثيوبيا من المنفذ البحري.
وفي اريتريا اثارت تداعايات الحرب ململة واسعة في اوساط قيادة حزب الجبهة الشعبية للعدالة والديمقراطية الذي يحتكر العملية السياسية في اريتريا بعد حظر نشاط القوى السياسية الاخرى. في مايو 2001 تقدمت مجموعة من العناصر القيادية في الحزب والحكومة ضمت وزراء الخارجية والدفاع والحكومات المحلية وقادة عسكريين كبارعرفت (بمجموعة ال 15) بمذكرة مفتوحة للرئيس أفورقي يدعون فيها الحكومة الى البدء في إجراء إصلاح ديمقراطي، كما انتقدت المجموعة تعامل الرئيس أفورقي مع الحرب المدمرة بين بلاده واثيوبيا، وطالبت المجموعة كذلك بتطبيق الدستور الذي كان قد مرره حزب الجبهة الشعبية باستفتاء صوري لم يشارك فيه الشعب الاريتري مشاركة فعلية. الا ان الرئيس الذي يحكم البلاد عبر دائرته الداخلية الضيقة لم يكن على استعداد لتطبيق الدستور وتفعيل دور المؤسسات التي يسيطر عليها الحزب نفسه (البرلمان، الحكومة ومؤسسة الجيش)، وتصاعد الصراع بين هذه المجموعة واسياس افورقي، وتم اعتقال معظم الموقعين على المذكرة وغيرهم من الكوادر المتقدمة في الحزب. وكشفت تلك التطورات ان دكتاتورية الحزب الواحد انما كانت في واقع الامر دكتاتورية الفرد المتسترة وراء ضعف مؤسسات الدولة والحزب التي اراد لها اسياس ان تكون كذلك.
اذا كانت تدعيات الحرب مع اثيوبيا كشفت على الصعيدين الدولي والاقليمي حقيقة الدولة البوليسية التي نشأت في اريتريا عام 1993 من خلال انفجار الصراع الداخلي لحزب الشعبية، فان الانتهاكات التي ارتكبها نظام اسمرا لحقوق الانسان في اريتريا والمتثلة في عرقلة عودة قسم كبير من اللاجيئن الاريتريين الى ديارهم وحظر القوى السياسية الاخرى من المشاركة في الحياة السياسية والاضطهاد على اساس الهوية السياسية اوالدينية وهضم الحقوق الثقافية للقطاع المنتمي للثقافة العربية بهدف تكريس ثقافة احادية (التقرينية) وتقييد الحريات الاساسية كانت كلها شواهد سبقت الحرب الاريترية الاثيوبية والصراع الداخلي في الحزب الحاكم وكانت مؤشرات دالة بكل وضوح على ان اريتريا تتجه نحو ازمة داخلية خطيرة. ولعل تهديد نظام اسمرا لأمن واستقرار المنطقة باسرها هو انعكاس لنهجه الطغياني الذي يمارسه على الصعيد الداخلي. ومن المؤسف ان الدول الغربية في مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية كانت تكيل لنظام اسمرا مديح لايستحقه منذ وصوله الى سدة الحكم، وتصفه بصفات ابعد ما يكون عنه نظام اسياس الدكتاتوري، بل وشجعته على ممارسة العربدة في المنطقة تحت غطاء شعارت الحرب على الارهاب. فهل تريد الدول الغربية مساعدة النظام للخروج من ازمته فقط بهدف ضمه الى استراتيجية الحرب ضد الارهاب كما اشار الى ذلك هيرمان كوهين في مقال في 17 ديسمبر 2013 تحت عنوان Time to bring Eritrea in from the cold الذي اشار فيه الى العلاقات الممتازة التي كانت قائمة بين النظامين قبل الحرب واستعرض فيه مراحل الصراع الاريتري الاثيوبي وتداعياته، ووصف فيه اتهامات الادارة الامريكية لاريتريا بتمرير أسلحة الى حركة الشباب الصومالية بغير مؤسسة بأدلة دامغة. كما اشار الى ما اسماه بالمؤشرات الايجابية الصادرة من الجانبين الاريتري والاثيوبي في الاشهر الاخيرة حيث اعرب رئيس الوزراء الاثيوبي عن استعداده لزيارة اسمرة لاجراء محادثات، وكذلك تصريحات الرئيس اسياس افورقي بان اريتريا لا تستطيع الاستغناء عن اثيوبيا. وقال ان توترات زمن الحرب بين البلدين قد ولت وان تطبيع العلاقة بين اريتريا واثيوبيا من شأنه ان يحقق انتصارا للجانبين. ويقول السيد كوهين أن دول الاتحاد الاوروبي تحتفظ بعلاقات طبيعية مع إريتريا منذ استقلالها، وينبغي أن تقترح احدى دول الاتحاد الاوروبي ذات العضوية الدائمة في مجلس الامن الدولي مشروع قرار برفع العقوبات المفروضة على اريتريا. ويجب ان توافق الولايات المتحدة على الامتناع عن التصويت بدلا من استخدام حق الفيتو ضد مشروع القرار. ولكسر حالة الجمود بين اريتريا واثيوبيا بخصوص تنفيذ قرار مفوضية ترسيم الحدود بين البلدين يقول السيد كوهين هناك حاجة لحل يحفظ ماء الوجه للطرفين. ويقترح ان تبادر اثيوبيا بقبول استلام اريتريا للاراضي التي حكمت لصالحها من قبل مفوضية ترسيم الحدود ليعقب ذلك تدشين حوار في نفس اليوم باجندة مفتوحة، ويمكن ان يستفاد بوسيط محايد في هذا الحوار دون الاعتماد على ارادة الحكومتين فقط، ويجب ان تكون لدى احدى الدول الاوروبية المقدرة على تشجيع بناء الثقة بين الطرفين. ويقول كوهين في سياق تشكيكه في صحة الاتهامات الموجهة للنظام الاريتري بالتعامل مع حركة الشباب الصومالية ” بالنسبة لنا نحن الذين نعرف اريتريا جيدا نفهم ان القيادة الاريترية تخشى الحركات الاسلامية المسلحة مثل اي دولة اخرى في منطقة القرن الافريقي. واخيرا يقول كوهين ان تطبيع العلاقة بين الولايات المتحدة واريتريا سوف يفتح الباب لتعاون عسكري بصورة تضم اريتريا الى جبهة مكافحة الارهاب الاسلامي القادم عبر البحر الاحمر. وهنا سؤال مهم يطرح نفسه وهو هل تصب هذه الاسترانيجية التي تغض الطرف عن ارهاب الدولة لحماية المصالح الاجنبية فقط دون الاخذ في الاعتبار معاناة الشعب الاريتري؟ سؤال يطرح نفسه في انتظار مدى جدية الدول الغربية في جعل مساعاعيها الحميدة مقرونة بمصداقية فيما يتعلق بضرورة الاصلاحات السياسية التي تفضي الى سلام تنعم به الشعوب.
ان الضمانة الحقيقية لامن واستقرار منطقة القرن الافريقي هي تحقيق تحولات ديمقراطية حقيقية تحرر دول المنطقة من قبضة الانظمة الشمولية وشبه الشمولية. واريتريا في امس الحاجة الى تغيير النظام الدكتاتوري ببديل ديمقراطي يمثل ارادة شعبنا ويلبي تطلعاته الى السلام والاستقرار ويستمد شرعيته من ثقته. وعلى قوى المعارضة الاريترية ان تنخرط في حوار وطني شامل لا يقصي احدا من مكوناته السياسية والاجتماعية من اجل بناء الثقة بين هذه المكونات، وصياغة ميثاق وطني يعبد الطريق لبناء وطن يسع الجميع وتتحقق فيه العدالة الناجزة التي تضمن التعايش السلمي بين مختلف فئات الشعب الاريتري وأطيافه السياسية.
رابط المقال في موقع مبادرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى