شريط الأخبار
الرئيسيةثقافة وأدب ← نتوءات على صدر البحر.. بقلم/أحمد شيكاي
2017-02-01 عدوليس ـ ملبورن

نتوءات على صدر البحر.. بقلم/أحمد شيكاي

قال لي : ” مدّ بصرك يا صديقي، مدُّه ملءَ خوفك ؛ خوفك الذي هو بذرة نجاتك.. يقيني أنّ الذاكرة مثقوبة ،وليس في ذلك ضيرٌ، جلَّ ألمهم يكمن في أن للثقوب حوافٍ وكل حافةٍ بها شراشف من ألمٍ . لا غدٍ ينجو من تباريح الأمس ولا صبحٌ يرضعُ شعاعات الصباح البكر. أن تسيرُ قوافل الحلم على آثار السابقين ؛ هو : أن تمرُ على حديّن ، إما تيهاً ، أو سجناً في ذاكرة موتى باقين بتوقيعاتهم الغضة. ومثلما لكل البدايات نفس النهايات ــ وإن استبدلت شارات وخطوط المارة ــ فهي دوائر تحيا وتموت في ذات نقطة البداية. مفارقة الصوت الهادر للقاعِ وتجنبه لردهات التماثل ، وانحباسه عند فوهة التصويب لا يعني بالضرورة مثالية الموقف ، ولا براح من إنسانية عند المنعطف الأخير لسباق الوجود المرتبط بظروف القياس والمعالجة “

بعد أن أكمل قول هذه العبارات بصوت متحشرج، منكسر، مغمضاً عينيه ، كان يدرك ، سواء أفتح عينيه أو لم يفعل ، فإنه لن يرى غير سواد أخذ من رمشيّه رمز الوجود وحق الحياة والانتشار. كانت الساعة الثالثة صباحاً أو ربما الثانية ، فهو منذ فترة ليست بالقصيرة ، لا يعرف الوقت؟ ولا تواريخ الأيام ؟ بل لا يعلم إن كانت الحياة توقفت خارج هذا الباب الذي يفتح صدره على لجة البحر، أم مازال هناك بعضٍا من البائسين يتنفسون وينتظرون نهاياتهم الوديعة ، موتهم البارد الجبان كمثله الآن!
هذا المكان يسمونه المزرعة، يا لغرابة التوصيفات التي يستخدمها هؤلاء الرجال الغريبون. كيف ينبت الإنسان أو حتى كيف يُزرع ؟ ربما يقصدون زراعة الخوف فينا، لأن الموت هنا برصاصة رجل يصلي الليل بعد تعاطيه الحشيش هي أقرب إليك من خيالك الذي تهرب به من هذا المكان. أذكرُ أنني أرجعته ـ سهوا - من شروده المحبب ، لحظتها، عندما ضغطت لا إرادياً في مسافة العدم بين خصيتيه . كان هناك ألم عظيم لا يمكن لأحد أن يهرب منه أو يبتلعه بهدوء ، كسمٍ رخيص الثمن يمكن شراؤه من دكان عجوز بائس في حيّ شعبيّ لا يزوره إلا النساء اللواتي كرهن أزواجهن الذين قضوا معهن كل العمر ومازالوا يمارسون الخيانة!
صرخ من الألم : سبّني سب أمي وأبي ، وما هو قادم من ذريتي.
ضحكت منه عجبا : كيف له أن يأتي على ذكر الذرية في هذا المكان الذي يجاور الموت دون حاجز. ألا يعرف صاحبي هذا: أن لا ذرية تولد بعد الموت؟ لكني تذكرت أن هذا كان همه الأخير، حين حدثني قبل اليوم عن الموت وكيف أنه ، حال موته ، سيكون إنساناً طيباً مطيعا للحاكم وأشباه الحاكم لو قدر له أن يرجع خطوت للوراء؛ خطوات ما قبل هذه اللحظة الفاصلة ما بين خيارين.
قال لي : ” البعض يقولون ، ساخرين من هذه النقلة ؛ نقلة إنسان من حياة سابقة لحياة جديدة : إنها أشبه بنقل شجرة نخيل تحب استمرار الحياة في موقع جديد!”
قلته مجيبا : هذا كلام فارغ، يا سيدي ، نحن أبناء الجيل الجديد مالنا ومال الأشجار والرعي.! يا صديقي هذه النقلة أشبه بأن تنقل بناية من الشرق إلى الغرب، تعبر بها البحر خلسةً أمام أعين الذين يرونك ويدَّعون أنهم لا يرونك، ثم تزرعها في بلاد جديدة بغير عمق ، وتطلب منها أن تظل بناية كما كانت؟ وبكل ساكنيها بما في ذلك رائحة عرق أمك ، بعد عمل مضني في المطبخ و” عواسة ” ” الإنجيرا ” ، أصوات آهاتك الليلية ، والخرائط التي رسمتها على ملايتك ، وبعض حائط غرفتك؟!
هذا لا يصير، لا يمكن أن يكون واقعاً جديداً، نحن تم اقتلاعنا مرةً واحدة وإلى الأبد. القصة الفائزة بالمرتبة الثانية لدورة 2016 من مسابقة ناود للقصة القصيرة ألتفت إلي ، كما لو أنه يراني للمرة ، قائلا : ” إذا ما زلت مصرا على تذكر كل هذا؟ فأنت شخص يحب أن يعيش داخل ذكرياته… سأطلب لي قهوة أخرى، هل آتي لك بمثلها؟” قلت له: حسناً، فالقهوة إعلان بداية ، وصنو الصباحات، فلنصنع صباحنا من هنا. وبعد أن عاد برفقة كوبين من القهوة : بدأنا نتذكر معاً تلك الأيام والسويعات التي قضيناها في الحد الفاصل ما بين الحياة والموت.
بدأ الحديث عن هذه الحياة الجديدة، قال لي بصوت يكاد يكون مرتفعاً بعض الشيء. و محشوا بغضب ما: ” يا سيدي، نحن نبتٌ جديدً يافع في هذه الأرجاء، لا ننتمي إليها ولا تنتمي إلينا بشكلنا القديم. هنا ، نحن جيل قادم أساس قوامنا هو الإنسان في ماهيته بغض النظر عن الظروف ، أو البيئة التي جاء منها، كلنا هنا في واحد، وطن موحّد للهاربين من أوطانهم!” حين رأيته وهو يغادر، كان أنيقاً وكأن ضوءً قوياً يخترق كل الأشياء، كان أطول قامةً مما رأيته عليها آخر مرة، يخترق المكان بعنفوانه، ويرسم حضوره الأبديّ في مسرح الأحداث بكل فعل بشري يحفر عميقاً في ذاكرة المحليين.
فقد حكي لي أحد المحليين : أنه ، قبل سنوات طويلة ، أقامت الحكومة المحلية محفلاً يومياً، تتحصل فيه على رسوم دخول ، حتى يتمكن الناس من رؤية هذا المخلوق الجديد الذي ولد بمحض الصدفة في مستشفى محلي، كان هذا المخلوق بالنسبة لي عاديّاً ، فهو يشبهني بشكل ما ، أو يشبه أبي أيضاً ويشبه صديقي الآن. أخترق العتمة كان أطول مقاماً، لم أتبين عينيه، ولكن من طوله ومشيته أكاد أجزم أن عينيه السوداوين كانتا مغمضتين تماماً حين غاب في الظلام.
ذاك الظلام الذي سيبتلعني إلى الأبد يا صديقي ، لقد كنت قريبا مني لحظة اجتمعت مراكبنا وهي تستنجد الإنقاذ على حافة سفينه تشبه المدن المتحركة كما صورها لنا أستاذ الجغرافيا. كنّا نشبه فقاقيع كبيرة في بركة آسنة .
كل هذا لن يخفف عنك عتمة هذه اللحظة ، عليك أن تعرف أن هناك فجوة بحجم عمرنا ما بين النظرية والواقع!
عندما ذكّرته بهذا، كان صاحبي يغيب وسط الحشود التي تحتفل بعيد الميلاد، ولكنه كان يهرب مني، كان يهرب من ذكرياته ، تلك الذكريات التي تقول له: أنت لا تنتمي لهذا المكان.
القصة الحائزة على المركز الثاني في مسابقة جائزة الأديب الإرتري المناضل (محمد سعيد ناود) في دورتها الثالثة 2017. وهي مسابقة تنظمها سنويا ” مكتبة أغردات العامة” على الانترنت.

إخترنا لكم

خاطرة... بمناسبة ذكرى الاستقلال بقلم/ زين العابدين محمد علي

من غرائب هذا الزمان أن تعيش شعوبنا التيه الذي وصفه القرآن الكريم، والكتب السماوية الأخرى، والأساطير القديمة، وأن نعيد إنتاج مآس كان الناس، وفي مقدمتهم نحن، نعتبرها جزءًا من التاريخ القديم علينا الاعتبار بها، وأخذ الدروس والعبر منها حتى لا تتكرر بشكلها المأساوي. من أوقعنا في هذه الدوامة، وهذا التيهان، من لعن الأرض فأجدبت، ليس في الحرث والنسل فقط، بل في إنتاج أبطال يتصدون لهذا التداعي وهذا الهلاك، يصرخون في وجه العاصفة، وإن كان عواء الريح العاتية لن يوصل صوتهم حتى لمن يقف بعيدًا عنهم مسافات قليلة.


المزيد   

النشرة البريدية

إشترك في نشرتنا البريدية ليصلك جديد الموقع إسبوعيا على بريدك الألكتروني.