شريط الأخبار
الرئيسيةمقالات ← الفنان المبدع الأمين عبد اللطيف ..... رحلة عمر مديدة مليئة بالعطاء. بقلم/ زين العابدين شوكاي
2017-08-12 عدوليس ـ ملبورن

الفنان المبدع الأمين عبد اللطيف ..... رحلة عمر مديدة مليئة بالعطاء. بقلم/ زين العابدين شوكاي

عند الحديث عن شخصية بقامة الأمين عبد اللطيف، يتوجس الإنسان خيفة من أن يخوض في بحر من العطاء لا يدرك عمقه، ولا ترسو سفينته على شاطئ آمن يمنحك الإحساس أنك أعطيته حقه، أو قلت فأوفيت، لكن من باب التصدي للمسؤولية الأخلاقية سيبدأ قلمي يسطر عنه ولو القليل، عَل ذلك يساعد على تسليط الضوء بصورة تسهم في جلاء جزء من صورته البهية والكبيرة الناصعة. من منا من لا يحمل ذكرى برائحة العود والعنبر والياسمين تفوح من عمق الذاكرة لتصبح شيئًا حاضرًا تسكر من عبقه الروح

وترشف من رحيقه الحواس، من منا لا يذكر أغاني الأمين الشجية الطروب التي تحمل الموسيقى المرحة، والمفردة المفعمة بالمعاني والأحاسيس والأمل في المستقبل. كان الفنان الأمين عليه شآبيب الرحمة من الغفور الرحيم، سليل بيوت علم ودين وحكمة من جهة الوالدين. ولم يكن في ذلك الزمن لسليل تلك الأسر العريقة أن يكون فنانًا، لكنه في تحد للعادات والتقاليد والمفاهيم المحدودة زمانًا ومكانًا شكل ظاهرة فنية إرترية جميلة نعتز بها جميعًا كإرتريين، دون أن يجرح أو يؤذي مشاعر أهله. تمتد جذور الأسر التي ينتمي إليها هذا الصرح الشامخ في سواحل بلادي من الساحل إلى سمهر الخير، أهلها يطربون بالمفردة قبل اللحن. أتساءل فأقول كم هي الجينات مؤثرة دون أن ندري نحن في تشكيل شخصياتنا وهوياتنا، لكن تاركين ذلك لعلم الغيب المخفي عن الناس، دعونا نتحدث عن عالم الشهادة الذي كان الفنان الكبير الأمين عبد اللطيف يجسده، ويتحرك فيه ويناور بمهارة فائقة، لكن هذه المناورة لم تمنعه من التعرض لقمع السلطات الاستعمارية مرات عديدة التي أودعته السجن لكونه قال كلمة فهم منها بعث الأمل والروح المعنوية ولم ترق إلى مستوى التحريض والتمرد. من هنا نستطيع أن نفهم كم هم الطغاة ضعفاء مهما تظاهروا بالتجبر، وكم ترعبهم كلمة تخرج من فم فنان علنًا وعلى المسرح وفي المدن الآمنة، وكانوا هم يدركون خطورتها، لأنها ستتحول إلى رصاصة تخترق أجسادهم وتزهق أرواحهم في ميادين القتال، لذا كانوا لا يألون جهدًا في إسكات تلك الأصوات. وكان أهل الفن في بلادي مدركين لهذا الدور، وحاولوا أن يسهموا بما استطاعوا في معركة تحرير الأرض والإنسان، وتعرضوا في سبيل ذلك لمختلف صنوف التنكيل.
الفنان المبدع والقدير الأمين عبد اللطيف كانت حياته محفوفة بكل هذه المعاني والدلالات وأكثر، وأنه عاش عقودًا من العطاء والإبداع، دون تخاذل، ودون أن تتأثر ملكته الإبداعية بشكل سلبي نتيجة تحول الظروف والأحوال، لتتخطى حاسته الإبداعية ظرفي الزمان والمكان، وأخضعتهما لضرورات الإبداع التي يحتمها عليه دوره الطليعي كفنان ملتزم وصاحب رسالة أخضع المفردة التي يتغنى بها لمعايير وقيم تنسجم مع معتقدات شعبه وذوقه الرفيع الذي يقدر العفة والالتزام، وينبذ المجون والابتذال.
الأمين رفع الغناء بلغة "التجرايت" إلى درجات أسمى مما كان عليه الحال قبله، ليشكل بذلك محطة هامة دخلت خلالها المفردة في الشعر الغنائي بالتجرايت، والتنوع الموسيقي فيما يمكن اعتباره نقلة نوعية. أغنية "سفلال" على سبيل المثال تأخذك في رحلة موسيقية مرفقة بكلمات راقية بصورة مدهشة. التنوع الموسيقي عند الأمين هو ما يشكل جوهر النقلة النوعية التي حققتها أغنية التجرايت على يد هذا العملاق المبدع والمجدد، وارتباطه بقضايا شعبه ووطنه هو الذي أعطاه كل هذا الزخم وهذا الحضور، وهذه القوة التي تتمتع بها أغنياته. ود أمير، أحد عمالقة أغنية التجرايت التاريخيين، كان محطة هامة، سجلها التاريخ، وحفظتها عقول وقلوب الأجيال، وإن كان التسجيل في الثقافات الشفاهية، مثل ثقافتنا نحن ضعيفة. الحديث المفصل عما يشكله الأمين عبد اللطيف من نقلة نوعية بعد مرحلة ود إمير وغيره من عمالقة الفن بلغة التجرايت أتركه لأصحاب الاختصاص، لكن لا يفوتني في هذه السانحة أن ألفت النظر إلى أن الأمين حقق قفزة نوعية لأغنية التجرايت باعتراف الجميع، بل تجاوز الأمين حدود مجموعته القومية الناطقة بالتجرايت، ليقدم لنا أغاني جميلة بلغة التجرنيا كانت كلماتها لعمالقة الشعر الغنائي بالتجرنيا مثل ممهر أسرس تسما، ونجوسي هيلي منسعاي. ليصبح بذلك سفير الفن الإرتري في أي مكان يتواجد فيه.
انحناءة إجلال وإكبار للفنان القدير الأمين عبد اللطيف، مرفقة بدعواتنا الصادقة له بالرحمة والمغفرة.
زين العابدين شوكاي
السويد - ستوكهولم
٢٠١٧/٨/١١

إخترنا لكم

مخاطر التفكك وفرص البقاء: إريتريا في عيد ميلادها ال27 !! بقلم/ : حامد سلمان

أن تدفع ثمنا باهظا لا يعني أن تحصل على المقابل المجزي بشكل آلي، فالمزارع الذي يكِدُّ طوال الموسم الزراعي، مثلا، يمكن أن يخرج نهاية الموسم وهو يقلب كفيه حسرة على ما بذل من جهد وعرق ومال إن هو تغافل أو تكاسل في لحظة الحصاد الحاسمة، فالتضحية وحدها لا تكفي للحصول على القطاف، إنما تستلزم اليقظة الدائمة والمثابرة الواعية حتى نهاية الموسم وضمان الحصول على المبتغى وتحقيق الهدف. فكم من شعوب ضحت بقدر هائل من مواردها البشرية والمادية لقاء الحصول على حريتها، غير أنها لم تحصل بالمقابل، إلا على قيود أشد قسوة من تلك التي ناضلت للفكاك منها، ودونكم الشعب الكوري الشمالي الذي أعطى ولم يبخل وبذل ولم يدخر،حيث قدم ما يربوا على (406.000 عسكري و 600.000 مدني) في حرب واحدة 1950-1953م ، أكثر من مليون نفس بشرية بالإجمال، وما زال الشعب الكوري الشمالي يقدم القرابين دون أن يجد فرصة للوقوف على قدميه والإلتفات إلى الوراء، حيث يرقد "الشهداء" ليتساءل، لماذا كل هذا؟ إلى يومنا هذا وربما حتى إشعار آخر، حيث لا ضمانات للحريات والحقوق والتنمية الإقتصادية مهما كانت الضحيات المبذولة.


المزيد   

النشرة البريدية

إشترك في نشرتنا البريدية ليصلك جديد الموقع إسبوعيا على بريدك الألكتروني.