شريط الأخبار
الرئيسيةمقالات ← إريتريا وإثيوبيا: الطريق الوعر إلى السلام ضوء في آخر النفق! بقلم/ ياسين محمد عبدالله
2018-06-27 عدوليس ـ ملبورن

إريتريا وإثيوبيا: الطريق الوعر إلى السلام ضوء في آخر النفق! بقلم/ ياسين محمد عبدالله

أثار إعلان إثيوبيا، من خلال البيان الذي أصدرته اللجنة التنفيذية للجبهة الحاكمة في الخامس من يونيو، استعدادها لتطبيق قرار لجنة الحدود الدولية حول نزاعها مع إريتريا والصادر في 13 أبريل 2002، أثار موجة من التفاؤل بين قطاعات واسعة في البلدين ووسط مراقبي شوؤنهما. وبإعلان الرئيس أسياس في 20 يونيو في خطاب له بمناسبة يوم الشهداء إنه سيرسل وفداً إلى إثيوبيا لتقييم التطورات ووضع خطة للعمل المستقبلي وترحيب إثيوبيا بذلك، وإعلانها اليوم ( 25 يونيو) أن الوفد الإريتري سيصل خلال هذا الأسبوع، يكون قطار السلام بين البلدين، المتوقف منذ أكثر من 16 عاماً، قد بدأ بالتحرك.

ما هي خلفية النزاع بين البلدين؟ وماذا تغير في إثيوبيا لتعلن بعد ممانعة استمرت 16 عاماً قبولها بقرار لجنة الحدود؟ وهل هناك وساطة سرية دفعت البلدين إلى طاولة التفاوض وبمقدورها مساعدتهما على التوصل إلى تسوية لنزاعهما المعقد؟
خلفية:
اندلعت الحرب بين البلدين في مايو 1998 وكان سببها المباشر النزاع حول منطقة بادمي الحدودية. خاض البلدان ثلاث جولات من القتال. أولى الجولات بدأت في يونيو 1998ثم تلتها جولتان، واحدة في فبراير 1999 والأخرى في مايو ويونيو 2000. لم تقتصر المعارك على منطقة بادمي بل شملت مناطقا أخرى هي زالامبسا على الجبهة الوسطى وبوري في الشرق بالقرب من سواحل البحر الأحمر.
في 18 يونيو 2000 وقع وزيرا خارجية البلدين، الإريتري هيلي درع (مختف قسرياً في إريتريا منذ سبتمبر 2001) والإثيوبي سيوم مسفن الذي غادر منصبه في 2010، بعد جهود إقليمية ودولية مضنية، وقعاً في الجزائر على اتفاق لوقف إطلاق النار بين بلديهما. وفي 12 ديسمبر 2000 وقعا زعيما البلدين، رئيس دولة إريتريا أسياس أفورقي ورئيس وزراء إثيوبيا الراحل، ملس زيناوي على اتفاقية سلام بين بلديهما في الجزائر أيضاً، بحضور شهود دوليين.
أحال البلدان نزاعهما الحدودي، وفقاً لاتفاقية السلام، إلى لجنة دولية مستقلة تتكون من 5 أفراد عين أي منهما اثنين وقام الأربعة باختيار خامس ليكون رئيسا لهم. وافق البلدان وفقاً للفقرة 15 في المادة الرابعة من الاتفاقية على أن يكون ترسيم وتخطيط الحدود من قبل اللجنة الدولية نهائي وملزم. أصدرت لجنة الحدود قرارها بشأن النزاع في 13 أبريل 2002. بموجب قرار اللجنة، صارت منطقة بادمي، التي انطلقت منها الشرارة الأولي للحرب، ضمن حدود إريتريا. وافقت إثيوبيا في البداية على القرار ثم صارت تتراجع عن موافقتها لاحقاً. في مايو 2002 كتبت إثيوبيا مذكرة إلى لجنة الحدود الدولية تطلب فيها تفسير، تصحيح والتشاور حول القرار. ثم رفضت القرار بشكل صريح عندما كتب رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي إلى الأمين العام للأمم المتحدة رسالة وصف فيها قرار لجنة الحدود بأنه غير قانوني وغير عادل وغير مسؤول. وأخيراً استقر الموقف الإثيوبي على خطة من 5 نقاط قدمها ملس زيناوي إلى البرلمان الإثيوبي الذي أجازها في نوفمبر 2004. ورد في الفقرة الثالثة من الخطة أن إثيوبيا توافق مبدئياً على قرار لجنة الحدود مما يعني إنها قد لا توافق على بعض التفاصيل الواردة في القرار. وقد دام هذا الموقف، الذي رفضته إريتريا الإثيوبي وقالت إنها لن تتفاوض مع جارتها إلا بعد تطبيقها الكامل لقرار لجنة الحدود الدولية، إلى حين صدور بيان اللجنة التنفيذية للتحالف الحاكم. ماذا خسر البلدان بسبب الحرب والقطيعة:
بجانب خسارتهما البشرية المهولة حيث قتل في الحرب ما لا يقل عن 80,000 جندياً، لحقت بالبلدين خسائر اقتصادية ضخمة بسبب الصرف على الحرب وتبعاتها وبسبب القطيعة المستمرة منذ اندلاعها قبل 20 عاماً.
خسرت إريتريا مليارات الدولارات بسبب توقف تجارتها الحدودية مع إثيوبيا والتي بلغت في 1997 ما نسبته %67 من تجارتها الخارجية، وبسبب توقف إثيوبيا عن استخدام مينائي عصب ومصوع. والأسوأ أن إرتيريا وشعبها صارا رهينة لهذ النزاع من خلال تطبيق الحكومة لنظام خدمة عسكرية غير محدد الأجل مما دفع بعشرات الآلاف من الشباب الإريتري للهروب من البلاد حيث توفي المئات منهم إما غرقاً في البحار والمحيطات، أو عطشاً في الصحاري أو بسبب تعرضهم للعنف. وأثرت الحرب سلباً على عملية الإنتاج في إريتريا بتجميدها نسبة كبيرة من القوى العاملة في معسكرات الجيش هذا بالإضافة للنفقات العسكرية التي وصلت إلى 20% من مجمل الناتج المحلي. واستخدمت الحكومة الإريترية حالة اللا حرب واللا سلم مع إثيوبيا كذريعة لرفض أي انفتاح سياسي ولتجميد الدستور والتضييق على الحريات العامة.
وخسرت إثيوبيا كثيراً بسبب الحرب والقطيعة. بجانب خسائرها البشرية أنفقت إثيوبيا على الحرب ما يقارب الثلاثة مليارات دولارات وخسرت مليارات أخرى بسبب توقفها عن استخدام مينائي إريتريا لأنها صار تدفع رسوماً أكثر وبسبب زيادة كلفة الشحن إلى أنحاء البلاد الأقرب إلى الميناءين. موقف إثيوبي جديد:
قبل إعلان اللجنة التنفيذية للجبهة الحاكمة عن استعدادها لتنفيذ قرار لجنة الحدود الدولية كاملاً، كان رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد الدكتور ابي أحمد عبر عن رغبته في تحقيق السلام بين بلاده وجارتها إريتريا قبل أن يتم تنصيبه رسمياً، إذ قال على حسابه في توتير يوم 29 مارس أنه يرغب في بناء جسور من المحبة مع إريتريا الأمر الذي أشار إلى أن تحقيق السلام مع إريتريا يأتي على رأس أولوياته. ثم أكد رئيس الوزراء على موقفه هذا في خطاب تنصيبه أمام البرلمان. لكن حديثه الأكثر أهمية، حسب تقديري، كان الخطاب الذي أدلى به أمام حشد جماهيري في مقلي عاصمة إقليم تقراي وهو الإقليم الذي شهد الشرارة الأولى للحرب بين إريتريا وإثيوبيا والذي كانت تقع ضمنه منطقة النزاع الحدودي الرئيسة ( بادمي).
قال رئيس الوزراء للمحتشدين إنه يعرف إنهم الأكثر تضرراً من استمرار القطيعة بين البلدين وإنه سيعالج هذه المشكلة وقد استقبل الحشد الجماهيري حديثه بالتصفيق. ما يميز حديثه هنا هو اعترافه بأن استمرار حالة اللاحرب واللاسلم مضر بإثيوبيا، ووضع حل هذا النزاع ضمن أجندة الإصلاح والتغيير في بلاده. لكن يبدو أيضاً أن رئيس الوزراء أراد من طرح هذا الأمر وعلى هذا النحو وفي هذا المكان إرسال رسالة للرافضين المحتملين للاعتراف بقرار لجنة الحدود وتحديداً الجبهة الشعبية لتحرير تقراي التنظيم الذي كان له النفوذ والسلطة الأكبر في البلاد خلال السنوات الـ 27 الماضية، بأن أهل الإقليم يريدون هذه المصالحة. لاحقاً أصدرت الجبهة الشعبية لتحرير تقراي بياناً اعترضت فيه على البيان الصادر عن تنفيذية الجبهة الحاكمة التي أسستها وقادتها هي لأكثر من ربع قرن، الذي وافقت فيه على قرار لجنة الحدود دون شروط. لكن يبدو أن إيقاع ومدى تحرك رئيس الوزراء الجديد الداخلي والإقليمي والدولي سد على قيادة التقراي الطريق حيث لم يكن هناك صدى يذكر لبيانهم أو مواقفهم الرافضة لقرار اللجنة التنفيذية حول موضوع الحدود وحتى حول القضايا الأخرى التي اشتمل عليها بيانهم الذي بدا كأنه محاولة لإيقاف عملية التحول التي يقودها رئيس الوزراء الجديد. وقد اتضح من التجمع الجماهيري الحاشد غير المسبوق في تاريخ البلاد الذي شهدته أديس أببا يوم 23 يونيو أن أجندة رئيس الوزراء تحظى بتأييد جماهيري ضخم.
نظر الكثيرون إلى النزاع بين البلدين باعتباره صراعاً بين النخبتين الحاكمتين في إريتريا وإثيوبيا اللتين تنتميان لجذور عرقية وثقافية واحدة لكن بخلفية توتر ألقت بظلالها على علاقاتهما حتى أبان مرحلة تحالفهما ضد نظام منغستو التي شهدت الكثير من الخلافات السياسية والأيدولوجية. لقد جعل أي من الطرفين بلاده رهينة لهذا النزاع ولنظرة أي منهما إلى الآخر وفوت فرصاً اقتصادية كبيرة على شعبي البلدين. وقد أوجد التغيير في إثيوبيا تجاه بناء نظام أكثر ديمقراطية وعدلاً مقاربة جديدة تضع مصلحة البلاد وشعبها أولاً، بدلاً من الهواجس والحساسيات والضغائن التي حكمت نظرة الحكام السابقين.
ما يلفت الانتباه في الموقف الإثيوبي الجديد إنه صدر في البداية عن الائتلاف الحاكم ولم يصدر عن أية جهة أو مسؤول حكومي. التزامات أية دولة تجاه الدول الأخرى والمجتمع الدولي يفترض عن تصدر عن المؤسسات الرسمية لهذه الدولة مثل حكومتها أو زارة خارجيتها، البيان هنا قد يكون ملزماً سياسياً لوزراء الائتلاف أو أعضاء البرلمان للتصويت لصالحه إذا طرح في مؤسسات الدولة لكنه لا يرتب أية التزامات قانونية على الدولة الإثيوبية هو التزام أخلاقي وإظهار لحسن النية. هناك عدة تفسيرات لطبيعة الموقف الإثيوبي لكن الأرجح أن يكون وسيط قد طلب من إثيوبيا التزام علني بالقبول بقرار لجنة ترسيم الحدود الدولية لتسهيل مهمته مع الطرف الإريتري (بطلب أو بدون طلب من إريتريا) وأن إثيوبيا اكتفت ببيان حزبي حينها تكتيكي تفاوضي. لكن دفاع رئيس الوزراء عن البيان الحزبي أمام جلسة للبرلمان الإثيوبي في 18 يونيو أعطى الموقف من المصالحة دفعة قوية قد تكون عجلت بالرد الإريتري الذي صدر في 20 يونيو من خلال خطاب أفورقي. رحبت الأطراف التي كانت وسيطة وشاهدة على اتفاقية الجزائر؛ الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة بالتطور الأخير بين البلدين. وقد أبدت الولايات المتحدة من خلال بيان صادر يوم 21 يونيو عن السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض، استعدادها لتسهيل توصل الطرفين إلى تسوية لنزاعهما. وكان السفير الأمريكي دونالد ياماموتو قد زار إريتريا وإثيوبيا في أبريل الماضي بعد إعلان الدكتور ابي أحمد رغبته في تحقيق السلام مما بدا محاولة للتوسط بين البلدين استجابة للموقف الإثيوبي الجديد.
لاعب إقليمي جديد يدخل على الخط:
بعد حرب اليمن التي بدأت في 2015 اتسع نطاق الأمن الخليجي ليشمل منطقة القرن الأفريقي وصار حضور دول الخليج في المنطقة، سياساتها وخلافاتها، ظاهر للعيان. نظر الكثيرون إلى هذا التواجد بشكل سلبي وقالوا إنه سيؤجج الصراعات في المنطقة. لكن أمام هذه الدول الآن؛ تحديد السعودية والإمارات فرصة لإثبات أن تواجدهما ودورهما في منطقة القرن الإفريقي إيجابي من خلال وضع ثقلهما السياسي والمالي خلف عملية تسوية المشاكل بين إريتريا وإثيوبيا وتطبيع علاقتهما. الملاحظ أن رئيس الوزراء الإثيوبي لم يكتف بالسعي للتمهيد للقبول بقرار لجنة الحدود الدولية في الداخل وفقط فقط بل عمل على إزالة أية معوقات إقليمية محتملة لمسعاه من أجل تحقيق السلام مع إريتريا. فقد ذكر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في المؤتمر الصحفي المشترك مع رئيس وزراء إثيوبي في القاهرة يوم 10 يونيو أنه اتفق مع الأخير حول العلاقات الإريترية الإثيوبية مما يشير إلى أن مصر راضية عن مساعي السلام بين البلدين. كما تعطي زيارتي رئيس الوزراء الإثيوبي في مايو الماضي إلى كل من السعودية والإمارات نفس الانطباع إضافة لاحتمال طلبه وساطة البلدين.
تستثمر دول الخليج مليارات الدولارات في إثيوبيا وكان آخر تلك الاستثمارات ما أُعلن عنه أبان زيارة ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد يوم 15 يونيو إلى أديس أببا. وتحتفظ السعودية والإمارات بعلاقة جيدة مع النظام الإريتري وهما تقدمان له دعماً مالياً وسياسياً ساعده على خروج نسبي من عزلته. بمعنى أن للدولتين نفوذاً على الجارتين وبإمكانهما ومن مصلحتهما أن يسعيا من أجل تحقيق المصالحة بين إريتريا وإثيوبيا؛ خصوصاً في ظل الدعم الأمريكي أو حتى الشراكة المرجحة في هذا المسعى. والملاحظ هنا أن وفداً سعودياً أرسله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الإثيوبي ابي أحمد قبل يوم واحد فقط من إصدار اللجنة التنفيذية للجبهة الحاكمة موقفها بخصوص لجنة الحدود وأن ولي العهد أبو ظبي محمد بن زايد زار إثيوبيا قبل 3 أيام فقط قبل دفاع رئيس الوزراء الإثيوبي أمام البرلمان عن قرار قيادة الجبهة بالموافقة غير المشروطة لتطبيق قرار لجنة الحدود الدولية.
بإعلان أسياس أفورقي رغبته بإرسال وفد إلى إثيوبيا وترحيب إثيوبيا السريع والحار بذلك، يكون قطار السلام بين البلدين، المتوقف منذ أكثر من 16 عاماً، قد تحرك والأمر المؤكد هو أن هذا القطار، وإن تأخر في الوصول إلى محطته النهائية، نظراً لمطبات يتوقع أن تعترض بسبب تعقيدات نزاع البلدين، المؤكد إنه سيصل، وحينها لن يغير فقط علاقة البلدين بل سيمهد أيضاً الطريق أمام نظام إقليمي جديد، يربط بين منطقتي القرن الإفريقي والخليج العربي.

إخترنا لكم

العلاقات الاريترية-الاثيوبية الى اين؟ بقلم / لسان الدين عثمان

التحولات السريعة والكبيرة التي شهدتها اثيوبيا بعد الاستقالة المفاجأة لرئيس وزراء اثيوبيا هيلي ماريام ديسيلين في 15 فبراير ، وتولى المنصب الدكتور أبي احمد بعد شهر ونصف في الثاني من ابريل واعلانه في اول خطاب له امام البرلمان بأنه سينفذ قرار لجنة ترسيم الحدود الصادر في ابريل 2002 وما تلا ذلك من احداث متسارعة، تمثلت في اعلان الرئيس الارتري ارسال وفد، وتبادل الزيارات على اعلي المستويات خلال فترة وجيزة ، وما شهدناه من مشاهد درامية جعلت مواطني البلدين يشعرون بأنهم استفاقوا على فلم بعد ان بدأ عرضه للجميع. بالتاكيد هنالك ترتيبات سبقت هذا العمل الدرامي، ولكن لا ندري من يقف وارءه ولكن استغرق تطلب اعداده وقتا وجهدا ولا ندري فيما اذا كانت استقالة ديسيلين جزء من ترتيباته، وكل ما يمكن ان يقال بهذا الصدد هو انها كانت خطوات ضرورية وملحة للنظامين، والسؤال يبقى ما الذي ستجنيه الشعبين؟ فمن المبكر الحديث عن المدى الذي ستيذهب اليه الدكتور ابي احمد في اصلاحاته السياسية والاقتصادية ولهذا من الصعب التكهن بانعكاسات ذلك على الساحة الارترية، لان الرجل لم يطرح برنامج عمل اصلاحي متكامل حتى الان عدا الرسائل التي وجهها في خطاباته والاجراءات التي اتخذها بعد توليه المنصب ربما لتهيئة الاوضاع الداخلية لما سيتم تنفيذه مستقبلا.


المزيد   

النشرة البريدية

إشترك في نشرتنا البريدية ليصلك جديد الموقع إسبوعيا على بريدك الألكتروني.