شريط الأخبار
الرئيسيةمقالات ← إريتريا من الاستعمار إلى الاستبداد: هل من ولادة ثانية؟ (1من 2) بقلم / عبدالقادر محمد علي
2018-07-17 عدوليس عن موقع إضاءات

إريتريا من الاستعمار إلى الاستبداد: هل من ولادة ثانية؟ (1من 2) بقلم / عبدالقادر محمد علي

"من أتيح له رؤية الغروب على البحر الأحمر فلن ينسى أبدًا، حتى بعد مائة عام، ذلك الاحتفال الذي يترآى للعين، وتلك الألوان التي تلمع أبدًا.. حتى بعد مائة عام". هكذا وصف «فرديناندو مارتيني» (أول حاكم إيطالي لإريتريا) الجمال الخلاب للغروب على شاطئ بحر إريتريا، لكن لم يكن ذلك الجمال وحده سبب قدومه إلى هذه المنطقة القصية في شرقي أفريقيا بطبيعة الحال، بل كان قدوم الإيطاليين نتيجة لمتغيرات محلية ودولية أهمها وحدة إيطاليا، ورغبتها في الحصول على نصيبها من كعكة المستعمرات الخارجية، إلى جانب افتتاح قناة السويس في العام 1869 التي منحت البحر الأحمر أهمية تجارية دولية عظمى، حتى قال وزير الخارجية الإيطالية «مانشيني»: «إن مفاتيح البحر الأبيض هي في الحقيقة في البحر الأحمر».

هكذا ولدت إريتريا نتيجة لمغامرة عسكرية إيطالية في شرقي أفريقيا، في عصر شكلت فيه المغامرات الاستعمارية الأوروبية وجه العالم فيما بعد. ففي عام 1869 قامت شركة «روباتينو» الإيطالية بشراء قطعة أرض في خليج عصب الإريتري قريبًا من باب المندب، شكلت موطئ قدم للجحافل القادمة بعد عقد ونصف من السنوات، لتملأ الفراغ الذي خلفه انسحاب المصريين من البلاد، بعد وقوعهم بين فكي كماشة الإثيوبيين من جهة، وجنود المهدي في السودان من جهة أخرى. وبتشجيع من بريطانيا التي كانت تحتل عدن حينها، ورأت في إيطاليا معادلًا لفرنسا التي رفعت أعلامها عام 1862 في جيبوتي على الشاطئ المقابل للمستعمرة الإنجليزية في عدن.
وهكذا احتل الإيطاليون في العام 1885 مدينة مصوع الإريترية، ثم توسعوا داخل البلاد مستفيدين من الصراع على العرش الإثيوبي، داعمين «منيليك» الذي سيصبح إمبراطور إثيوبيا، والذي وقع معهم معاهدة في أكتوبر 1889، اعترف فيها بسيادة الإيطاليين على إريتريا. ومع مطلع عام 1890 أصدر الملك «همبرت الأول»، ملك إيطاليا، مرسومًا ملكيًا بتوحيد الأقاليم التي احتلتها إيطاليا تحت اسم «مستعمرة إريتريا»، نسبة إلى التسمية الرومانية للبحر الأحمر «ماري أرثريان».
وككل المستعمرات، التي تحولت إلى دول فيما بعد، ظهرت نتيجةَ توافقات ومصالح دولية مستعمرةُ إريتريا، دون اعتبار لامتداد ثقافي وديموغرافي لأبناء المجموعات العرقية واللغوية التسع التي تتصل في حدودها الديموغرافية ببلاد مجاورة، كالسودان، أصبحت هي الأخرى مستعمرات لقوى أوروبية. وهذه الولادة غير الطبيعية للمستعمَرة ستلقي بظلالها عليها كل حين طارحةً مشاريع مختلفة، وسؤال الهوية المؤرق.
بنظرة عجلى، حكم الأتراك ومصر ما بعد «محمد علي» وإثيوبيا مناطق مختلفة من إريتريا، غير أن الإيطاليين كانوا الأعمق أثرًا في تشكيل نواة لكيان سياسي متمايز؛ فالإيطاليون هم الذين رسموا الحدود السياسية للمستعمرة، وقسموها إلى تسع محافظات، وأنهوا حالة التنازع بين مكونات من المجموعات العرقية والقبلية والدينية في إريتريا التي تسودها الديانتان الإسلام والمسيحية.
كما كان لشبكة المواصلات التي أنشئوها دور كبير في توحيد البلاد وتنشيط الحركة التجارية فيها، وتركوا خلفهم آثارًا معمارية عظيمة في العاصمة أسمرة التي أطلقوا عليها «روما الصغيرة»، وكان الغرض الأساسي من كل ذلك تسهيل إدارة المستعمرة بما يصب في خدمة المصالح الإيطالية، واندرج تحت ذلك تجهيل الشعب الإريتري وتسخيره لبناء تلك المشاريع في الداخل، وتجنيده في الخارج لتعبيد الطريق للمشاريع الاستعمارية لإيطاليا في أفريقيا، كما نالته المعاناة من المعاملة العنصرية من الإدارة والمستوطنين الإيطاليين، ولا سيما في المرحلة الفاشية.
ولعل أبرز ما يؤكد عمق الأثر الإيطالي أنه حال هزيمة الدوتشي في الحرب العالمية الثانية، وانحسار سلطة بلاده عن المستعمرة بعد ستين عامًا (1882-1941)، واجه الإريتريون السؤال الذي اختلفوا عميقًا حول الإجابة عنه: هل نحن دولة تستحق الاستقلال، أم مستعمرة منتزعة من دولة أخرى ولا بد من عودتها إلى «الوطن الأم»، أم مستعمرة ملفقة من خليط من تسع مجموعات لغوية متباينة لا رابط بينها؟ كانت هذه هي أسئلة ما تسمى بجدارة «مرحلة تقرير المصير».
صراعات مرحلة تقرير المصير:
بهزيمة الإيطاليين في الحرب العالمية الثانية دخلت البلاد مرحلة جديدة تحت حكم الإنجليز، تميزت بحراك سياسي كبير داخل البلاد، واصطراع بين مشاريع متعددة لرسم مستقبلها؛ فمن جهة كانت إثيوبيا ترى في إريتريا حقًا وامتدادًا تاريخيًا وبشريًا وجغرافيًا لها، ولا سيما أنها دولة قارية لا منفذ بحريًا لها، في حين تتمتع إريتريا بـ1000 كم من ساحل البحر الأحمر. ومثـّل إثيوبيا حينها حزب «الاتحاد» الذي ظهر كفكرة في العام 1941، واتخذ شكله الرسمي الفعال في العام 1946.
من جهة أخرى، كان الإنجليز يرون أن مصلحتهم في تقسيم مستعمرة إريتريا إلى قسمين؛ ينضم أحدهما إلى إثيوبيا، والآخر إلى السودان الذي كان يحكمه الإنجليز، ومثـّلهم حزب «الرابطة الإسلامية للمديرية الغربية» الذي دعا إلى استقلال المنطقة الغربية المحاذية للسودان تحت الحماية البريطانية، والذي انشق عن حزب «الرابطة الإسلامية» الأم بقيادة الشيخ «إبراهيم سلطان» -تأسس عام 1947- المنادي بالاستقلال الكامل للبلاد.
، وهم الذين وافقوا بعد ذلك على قرار دمج البلاد مع إثيوبيا في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 1962.
يتبع ...

إخترنا لكم

اريتريا : نحو الإصلاح السياسي أم " تقراي" الكبرى ! (2/3) صلاح ابوراي _ لندن

... من نافل القول ان لهذا التغيير الكبير الذي طال اثيوبيا اعداء وهم حكام "تقراي" الذي قام الحراك ضدهم وقضى على سلطتهم ولم يذرف احدا الدموع على رحيهلم أو يأسف على سقوطهم. وقد قامت نخبة "التقراي" بخطوة مميزة وذلك باقامة ندوات حوارية Tigray Forum دعت اليها كل النخب من الداخل والخارج تحت عنوان " تجراي الى اين" وعناوين اخرى مختلفة في خطوة قصدت الحفاظ على التماسك الداخلي واستيعاب الصدمة حتى لا يدخل الاقليم في مرحلة " جلد الذات التي تسبق حالة الانقسام والتشتت" وبالرغم من ثقل اوزان الحضور سياسيا وعلميا إلا اننا لم نشهد وقفات حقيقية حول الاسباب التي ادت الى خسران السلطة أو الى تفسير مقنع للحالة التي وصلوا اليها حيث تعرض شعبهم الى البغض والكراهية بل طالتهم التصفية الجسدية وعادت جموع غفيرة من شتى انحاء البلاد الى تجراي حتى لا تطالهم تصفيات عرقية. لقد ترك حزب "التقراي" جرحا غائرا في نفوس الشعب الاثيوبي بمختلف اطيافه وقومياته وخلفوا وراؤهم تاريخا دمويا من الابادة الجماعية والتصفيات العرقية، كما خلفت مئات الالاف من السجناء والمعتقلين لمدد بعمر حكمهم. ولم يتركو احدا لم يحمل ضدهم السلاح في اثيوبيا.!


المزيد   

النشرة البريدية

إشترك في نشرتنا البريدية ليصلك جديد الموقع إسبوعيا على بريدك الألكتروني.